*
الثلاثاء: 22 أيلول 2026
  • 22 أيلول 2026
  • 18:28
معركة الوعي مسؤولية المثقف
الكاتب: الدكتور زيد احمد المحيسن

منذ أن عرف الإنسان السلطة، عرف معها السؤال القديم المتجدد: أين يقف المثقف من السلطة، وأين تقف السلطة من المثقف؟
إنها علاقة جدلية شائكة، تتأرجح بين الاحتواء والمواجهة، وبين التوافق والاختلاف، وبين القلم الذي يضيء الطريق والسيف الذي يفرض الأمر الواقع. إنها، في جوهرها، مواجهة بين الكلمة والرصاصة، وبين العقل والقوة، وبين حرية التعبير وسلطة القمع؛ مواجهة لم تكن يومًا عابرة، بل ظلت ممتدة عبر التاريخ، تتغير أشكالها وتتبدل أدواتها، فيما يبقى السؤال واحدًا: هل يستطيع القلم أن يحافظ على حريته حين يصبح السيف هو صاحب الكلمة الأخيرة؟
لقد كان المثقفون، عبر مراحل التاريخ، من أهم محركات النهوض الحضاري؛ أسهموا في تشكيل الوعي، وصناعة الأفكار، وإطلاق مشاريع الإصلاح والتغيير، ودفع المجتمعات إلى الأمام اقتصاديًا وسياسيًا وفكريًا وثقافيًا واجتماعيًا.
كان المثقف، في صورته التي نطمح إليها، صاحب الكلمة الحرة، والضمير الحي، والموقف المسؤول؛ لم يكن مجرد حامل معرفة أو منتج نصوص، وإنما كان شاهدًا على عصره، وناقدًا لواقعه، وحارسًا لقيم المجتمع، وصوتًا لمن لا صوت لهم.
وكان السؤال الذي يحكم حضوره دائمًا: نكون أو لا نكون؟
لكن ماذا حدث للمثقف العربي اليوم؟
نحن نعيش زمنًا بالغ التعقيد؛ زمن البترودولار، وثقافة الاستهلاك، وهيمنة رأس المال على الإنسان والمكان، وتراجع منظومة القيم أمام سطوة المصالح والمنافع. وفي خضم هذا التحول الكبير، وجدنا بعض المثقفين ينسحبون من مواقعهم، وبعضهم الآخر ينخرط في لعبة المصالح، حتى أصبح جزء منهم أسيرًا للنفعية، على حساب المبادئ والقيم والأخلاق.
ومن هنا يحق لنا أن نرفع الصوت:
أيها المثقفون... يا فرسان الكلمة الحرة، ويا أصحاب المواقف الصادقة والجريئة، أين أنتم؟
عودوا إلى رشدكم، واستعيدوا وعيكم ودوركم. عودوا إلى ساحاتكم، إلى المجتمع، إلى الناس، إلى الأسئلة الكبرى التي تنتظر من يطرحها بلا خوف.
فالأمة اليوم أحوج ما تكون إليكم؛ أحوج إلى أفكاركم، وإلى نقدكم، وإلى قدرتكم على قراءة الواقع، وإلى مواقفكم الأخلاقية، وإلى أن تكونوا قدوة في القول والعمل.
لا تعتزلوا الحياة في صوامع النخبة، ولا تجعلوا من الثقافة غارًا للاعتكاف بعيدًا عن وجع الناس. إن الثقافة التي لا تلامس الواقع، ولا تنحاز إلى الإنسان، ولا تواجه الخلل، تتحول مع الوقت إلى ترف فكري لا يغيّر شيئًا.
إن المثقف الحقيقي ليس ذلك الذي يكتفي بوصف الأزمة، وإنما ذلك الذي يسهم في فهم أسبابها، ويفتح نوافذ للخروج منها.
فالأمة تعيش أزمات متراكمة؛ أزمات التجزئة والشرذمة، والانقسام السياسي والاجتماعي، والاستقطاب الطائفي والعرقي، فضلًا عن الثالوث الأسود الذي ينهش المجتمعات: الفقر والجهل والمرض.
وهي بحاجة، قبل كل شيء، إلى دعاة لا قضاة؛ إلى من يعيدون بناء الوعي بدل توزيع الاتهامات، وإلى من يفتحون أبواب الحوار بدل إشعال الخصومات، وإلى من يواجهون الخرافة بالمعرفة، والتعصب بالعقل، واليأس بالأمل والعمل.
نحن بحاجة إلى عقول حرة، وإيمان بلا خرافة، وثقافة تجمع بين العقل والروح، وبين الأصالة والمعاصرة.
نحن بحاجة إلى منظومة أخلاقية جديدة تعيد للإنسان قيمته، وللعمل مكانته، وللمعرفة احترامها، وللاختلاف معناه الحضاري.
وهنا يأتي الدور الحقيقي للمثقف.
إن إعادة تشكيل الوعي ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة تاريخية. فالمجتمعات لا تنهض فقط بالمشاريع الاقتصادية أو الأبنية الحديثة، وإنما تنهض قبل ذلك بالإنسان الذي يصنع تلك المشاريع ويحميها ويمنحها معناها.
ولهذا، فإن معركة الثقافة اليوم هي معركة ضد الجهل، وضد الاستبداد الفكري، وضد التعصب، وضد الاستسلام، وضد تحويل الإنسان إلى مجرد مستهلك بلا سؤال ولا موقف.
وفي قلب هذه المعركة تبقى فلسطين حاضرة؛ قضية شعب وحق وأرض، وما يجري في غزة شاهد على حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون، وعلى الحاجة إلى وعي عربي قادر على التعامل مع القضية بعيدًا عن المزايدات والشعارات، وبما يحفظ للإنسان الفلسطيني حقه وكرامته وحريته.
أيها المثقفون...
بمختلف توجهاتكم وانتماءاتكم الفكرية والسياسية؛ وطنيين وعروبيين، محافظين وإصلاحيين، علمانيين وتقدميين، يساريين وغيرهم...
تعالوا إلى كلمة سواء.
ليس المطلوب أن نتطابق في الأفكار، ولا أن نتخلى عن اختلافاتنا، وإنما المطلوب أن نعرف كيف نختلف دون أن نتحول إلى أعداء، وكيف نتحاور دون أن نكفّر بعضنا بعضًا، وكيف نضع مصلحة الإنسان والوطن فوق الحسابات الضيقة.
تعالوا لنسأل معًا:
كيف ننهض بهذه الأمة؟
كيف نخرج بها من دياجير الظلام إلى نور الأمل والعمل؟
كيف ننتقل من التنفير إلى التفاهم، ومن التكفير إلى الحوار، ومن العنف إلى العقلانية، ومن الانقسام إلى المصالحة؟
كيف نؤسس لثقافة التحضر والمدنية، وثقافة المواطنة والقانون، والحرية والعدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان؟
كيف ننتقل من ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة الإنتاج، ومن الاتكالية إلى العمل، ومن الجمود إلى الإبداع؟
إنها ليست أسئلة المثقف وحده، لكنها مسؤوليته الأخلاقية أن يطرحها، وأن يشارك في البحث عن إجاباتها.
أيها المثقفون...
لا يكفي أن نكتب عن الوطن، بل علينا أن نعمل من أجله.
فالوطنية ليست كلمات جوفاء، ولا خطبًا رنانة، ولا شعارات ترفع في المناسبات. الوطنية خدمة وتضحية، والوطنية عمل قبل أن تكون كلامًا.
وإذا كان القلم قادرًا على كشف الخلل، فإن عليه أيضًا أن يضيء طريق الإصلاح.
وإذا كان المثقف قادرًا على نقد السلطة والمجتمع، فعليه كذلك أن يمارس النقد الذاتي، وأن يسأل نفسه: ماذا قدمت؟ وأين كان موقفي عندما احتاج الناس إلى صوتي؟
إن المثقف الذي يخاف على كلمته أكثر مما يخاف على الحقيقة، يفقد جوهر رسالته.
والمثقف الذي يجعل من معرفته سلعة قابلة للبيع، يفقد جزءًا من رسالته.
أما المثقف الذي يحافظ على استقلال ضميره، ويضع معرفته في خدمة الإنسان، ويقول ما يعتقد أنه حق، ولو كان الثمن باهظًا، فإنه يظل قادرًا على ترك أثر حقيقي في التاريخ.
فمداميك البناء لا يصنعها الحجر وحده، وإنما يصنعها الإنسان.
ولا يبدأ إعمار الأوطان بإعمار المدن فقط، بل يبدأ بإعمار العقول والضمائر.
نبني الإنسان أولًا، ثم نبني المدرسة والجامعة والمصنع والطريق والمدينة.

نبني ثقافة العمل قبل أن نبني مؤسسات العمل.
نبني احترام القانون قبل أن نطالب الناس بالاحتكام إليه.
ونبني وعيًا حرًا قبل أن نتحدث عن مستقبل حر.
تلك هي مهمة المثقف، وتلك مسؤوليته أمام الحاضر والمستقبل.
فالسيف قد يفرض الصمت، لكنه لا يستطيع أن يصنع قناعة.
والرصاصة قد تقتل صاحب الكلمة، لكنها لا تستطيع قتل الفكرة.
أما القلم، فإن قوته الحقيقية لا تكمن في الحبر الذي يخط به، وإنما في الوعي الذي يوقظه، والضمير الذي يحركه، والحقيقة التي يدافع عنها.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل يستعيد القلم دوره في صناعة الوعي؟
هل يعود المثقف إلى موقعه الطبيعي في قلب المجتمع؟
وهل نستطيع أن نحول الثقافة من حالة وصفٍ للواقع إلى قوةٍ تسهم في تغييره؟
ربما لا نملك اليوم جميع الإجابات، لكننا نملك القدرة على طرح السؤال.
وأحيانًا، يكون السؤال الصادق بداية الطريق.
فالتاريخ لا يصنعه من يكتفون بمراقبته، وإنما يصنعه أولئك الذين يمتلكون شجاعة الموقف، ونبل الفكرة، وإرادة العمل.

مواضيع قد تعجبك