*
الخميس: 17 أيلول 2026
  • 17 أيلول 2026
  • 21:08
عمّان مدينة للمركبات أم مدينة للإنسان
الكاتب: الدكتور زيد احمد المحيسن

حين نسير في شوارع عمّان، ماذا نرى أولاً؟ هل نرى مدينة صُممت للإنسان، أم مدينة أخذت المركبة فيها مساحة أكبر مما أخذها الإنسان؟ سؤال يستحق أن نتوقف عنده، لا لنحاكم ما مضى، وإنما لنسأل بصدق: أي عمّان نريد أن نعيش فيها غداً؟
فالمدينة ليست طرقاً واسعة ومبانٍ مرتفعة وإشارات ضوئية ومواقف للسيارات. المدينة في جوهرها هي المكان الذي يمشي فيه الإنسان، ويلتقي فيه بجاره، ويجلس تحت شجرة، ويصل إلى عمله ومدرسته ومصالحه بأمان وكرامة. وحين تصبح السيارة هي محور التخطيط، يبدأ الإنسان بالتراجع شيئاً فشيئاً إلى الهامش.
عمّان مدينة جميلة بطبيعتها وتضاريسها وذاكرتها، لكنها تواجه تحدياً حقيقياً في استعادة التوازن بين متطلبات الحركة ومتطلبات الحياة. فالشارع ليس ممراً للسيارات فقط؛ إنه فضاء عام، والأرصفة ليست مساحات متبقية بعد الانتهاء من الطريق، بل حق أصيل للمشاة، والأشجار ليست زينة على جانبي الشارع، وإنما جزء من البنية البيئية للمدينة.
وحين يضطر المشاة إلى النزول من الرصيف إلى الشارع بسبب عائق أو سوء تصميم، فإن المشكلة ليست في المشاة؛ المشكلة في فلسفة التخطيط. وحين يقطع الإنسان مسافة قصيرة بالسيارة لأنه لا يستطيع أن يمشيها بأمان وراحة، فإن المدينة تكون قد خسرت خياراً حضرياً بسيطاً واقتصادياً وصحياً.
المدينة الصديقة للإنسان تحتاج إلى أرصفة متصلة، ومعابر آمنة، وظلال، وأشجار، ومقاعد، وإنارة جيدة، وممرات مريحة، ومساحات عامة يستطيع الناس استخدامها دون أن يشعروا أنهم يحتلون مكاناً مخصصاً للمركبات.
والأنسنة لا تعني أن نحارب السيارة أو نلغيها؛ فالسيارة جزء من منظومة النقل، لكن المطلوب أن نعيدها إلى حجمها الطبيعي داخل المدينة. فالإنسان هو الغاية، ووسائل النقل هي الأدوات.
ومن هنا ينبغي أن يصبح مؤشر جودة الحياة أحد أهم مؤشرات نجاح الإدارة الحضرية. كم يستطيع الطفل أن يمشي بأمان؟ هل يستطيع كبار السن الوصول إلى الحديقة؟ هل يستطيع ذوو الإعاقة استخدام الرصيف؟ هل يستطيع المواطن الوصول إلى النقل العام بسهولة؟ كم تبلغ المسافة بين المنزل والخدمة الأساسية؟ وأين يجد الإنسان مكاناً يجلس فيه بعيداً عن ضجيج المركبات؟
هذه الأسئلة قد تبدو بسيطة، لكنها تكشف جوهر المدينة أكثر من عدد الأبنية التي شُيدت أو الطرق التي افتُتحت.
وعمّان التي تستعد لمستقبل أكبر وأكثر كثافة تحتاج إلى أن تحسم مبكراً سؤالها الحضري: هل نريد مدينة يزداد فيها عدد المركبات، أم مدينة تزداد فيها خيارات الإنسان؟
المستقبل ليس في المزيد من الإسفلت وحده، بل في المزيد من الظل، والمزيد من الأشجار، والمزيد من الأرصفة، والمزيد من النقل العام، والمزيد من المساحات التي تعيد للمدينة روحها.
فالمدينة التي تحترم الإنسان لا تجعله يتكيف معها؛ بل تصمم نفسها كي تكون الحياة فيها أكثر سهولة وكرامة.
وربما آن الأوان أن نعيد النظر في عمّان من مستوى مختلف: لا من نافذة السيارة، وإنما من مستوى عين الإنسان وهو يمشي في شارعها

مواضيع قد تعجبك