*
الاربعاء: 16 أيلول 2026
  • 16 أيلول 2026
  • 13:15
  حين تطمئن المرأة يبدأ امتحان الرجولة  
الكاتب: د. أحلام ناصر

تقلق المرأة على المستقبل حتى تجد زوجاً مناسباً، ويقلق الرجل على المستقبل عندما يجد الزوجة، عبارة تبدو ساخرة للوهلة الأولى، لكنها تحمل معنى أعمق إذا فهمنا القلق هنا بوصفه إحساساً بالمسؤولية، لا خوفاً من الزواج، وإذا كنا نتحدث عن رجل حقيقي في مكونات الرجولة، لا عن رجل يرى الزواج امتيازاً وخدمة مجانية.

فالمرأة غالباً لا تبحث عن زوج بقدر ما تبحث عن مستقبل تستطيع أن تطمئن إليه معه، تسأل نفسها هل سيكون سنداً وقت الضعف، هل يحفظ كرامتها، هل يصلح أباً، وهل تستطيع أن تأمن معه على عمرها وأطفالها، ولهذا قد يتركز قلقها قبل الزواج حول حسن الاختيار، لأن ثمن الاختيار الخاطئ لا يقع على مشاعرها وحدها، بل قد يمتد إلى استقرارها النفسي والاجتماعي والاقتصادي ومستقبل أبنائها.

وتشير دراسات تفضيلات اختيار الشريك عبر ثقافات مختلفة إلى أن النساء، في المتوسط، يمنحن أهمية أكبر لمؤشرات الاستقرار والقدرة على تحمّل المسؤولية، بينما يمنح الرجال وزناً أكبر لبعض مؤشرات الجاذبية الجسدية، لكن دراسات التفاعل الواقعي وجدت أن الفروق بين الجنسين تصبح أقل وضوحاً عندما يلتقي الناس فعلياً، ما يعني أن الاختيار الإنساني أكثر تعقيداً من تفسيره بالبيولوجيا وحدها، وأن الشخصية والثقة والتوافق تلعب أدواراً حاسمة في الانجذاب والاستمرار.

كما أن لعامل الزمن أثراً مختلفاً في قلق المرأة، فقدرتها على الانجاب ترتبط بالعمر بصورة أوضح وأبكر من قدرة الرجل، وفقاً للمعلومات الطبية المنشورة عن الصحة الإنجابية حتى الآن، ويضاف إلى ذلك ضغط اجتماعي يراقب عمر المرأة وفرص زواجها أكثر مما يفعل مع الرجل، فيتحول المستقبل لديها أحياناً إلى سباق بين العثور على الشريك المناسب والخوف من تأخر او انعدام الفرص، وهذه المفارقة قد تدفع بعض النساء إلى الاختيار تحت ضغط الوقت، مع أن الزواج الخاطئ قد يكون أشد قسوة من الانتظار.

أما الرجل، فقد يفكر قبل الزواج بمستقبله باعتباره مشروعاً فردياً، عمله ودخله وطموحه وحريته، ولكن عندما يجد المرأة التي يريدها زوجة، يتحول المستقبل من سؤال ماذا أريد أنا؟ إلى سؤال كيف سنعيش نحن؟ هنا تبدأ الرجولة الحقيقية، عندما يصبح قلقه وتخطيطه للسكن والاستقرار والحماية وتربية الأبناء، وعندما يدرك أن امرأة وضعت ثقتها ومستقبلها إلى جانب مستقبله.

وقد بيّنت بحوث اجتماعية شملت بيانات من 29 دولة أن المجتمعات التي تربط قيمة الرجل بكونه المعيل الأساسي تزيد فيها الضغوط الواقعة عليه، خصوصاً عند البطالة أو التعثر الاقتصادي، كما أظهرت دراسات أخرى أن تحمّل الرجل وحده العبء المالي قد يرتبط بتراجع رفاهيته النفسية، لذلك لا تعني الرجولة الحقيقية أن يحمل الرجل كل شيء بصمت حتى ينهار، بل أن يقود المسؤولية بوعي، وأن يبني مع زوجته شراكة تتوزع فيها الأدوار وفق قدرات الطرفين وظروفهما.

والقلق المسؤول ليس مرضاً، بل يقظة تدفع الإنسان إلى التخطيط، أما القلق الذي يتحول إلى سيطرة أو عصبية أو انسحاب عاطفي فليس رجولة، الرجل الحقيقي لا يقلق لأنه وجد زوجة أصبحت عبئاً عليه، بل لأنه وجد إنسانة أصبح مستقبلها أمانة في عنقه وضمن مسؤولياته في الحياة، والمرأة لا تطمئن لمجرد وجود رجل في حياتها، بل لوجود رجل جدير بالثقة.

في النهاية، لا ينتهي قلق المستقبل بالزواج، بل يتغير شكله، المرأة المناسبة لا تسلّم الرجل عبئها، والرجل الحقيقي لا يعدها بحياة بلا مشكلات، وإنما يتعاهدان على ألا يواجه أحدهما المستقبل وحده،  فالزواج الناضج لا ينقل القلق من المرأة إلى الرجل، بل يحوّله من خوف فردي إلى خطة مشتركة.

 

 

مواضيع قد تعجبك