نساء لم تُروّضهن القبة!
المفارقة أن توجان فيصل وهند الفايز دخلتا القبة في بيئة يُفترض أن تكون فيها الجرأة فضيلة، لكن تجربتهما تكشف أن الجرأة نفسها قد تصبح مصدر إزعاج حين تتحول المرأة من متلقية للكلمة إلى صاحبة كلمة ومواجهة. لم تكن مشكلتهما أنهما تحدثتا كثيرًا، بل أنهما لم تتحدثا بالطريقة التي اعتاد البعض أن يرى بها المرأة في السياسة: هادئة، محسوبة، وأقل صدامًا. توجان جاءت إلى البرلمان بأسئلة ومواقف لا تخشى الملفات الحساسة، وهند الفايز جاءت بصوت مباشر لا يتردد في الاشتباك حين ترى أن الصمت لم يعد مقبولًا.
توجان فيصل لم تتعامل مع المقعد النيابي كامتياز بروتوكولي، بل كمساحة للرقابة والمساءلة والنقاش السياسي. خاضت سجالات وفتحت ملفات أثارت الجدل، وأثبتت أن النائبة قادرة على الدخول في قلب القضايا الثقيلة بدل الوقوف على هامشها. وبعد سنوات، حملت هند الفايز الروح ذاتها إلى القبة بأسلوبها الخاص؛ حضور صريح، مواقف حادة، واستعداد لمواجهة المسؤول والزميل عندما ترى أن القضية تستحق المواجهة.
وهنا تصبح المفارقة أكثر وضوحًا: المرأة التي يُطلب منها أن تثبت حضورها في السياسة قد تُلام بمجرد أن تثبته فعلًا. إذا صمتت قيل إنها بلا حضور، وإذا واجهت قيل إنها حادة، وإذا جادلت قيل إنها تصطدم، وإذا تمسكت بموقفها أصبحت "صعبة". لكن توجان وهند لم تدخلا السياسة بحثًا عن صورة المرأة المقبولة لدى الجميع؛ دخلتاها وهما تعرفان أن العمل النيابي الحقيقي يعني الاختلاف، والسؤال، والمساءلة، وتحمل كلفة الموقف.
قد نختلف معهما في بعض المواقف أو الأساليب، وهذا طبيعي في الحياة السياسية، لكن قيمة تجربتهما لا تتطلب إجماعًا عليهما. يكفي أنهما كسرتا الصورة النمطية للنائبة التي تكتفي بالحضور، وقدمتا نموذجًا لامرأة تستطيع أن تكون خصمًا سياسيًا حقيقيًا، وصوتًا يصعب تجاهله، وشخصية لا تخاف من الاشتباك حين يصبح الاشتباك ضروريًا.
ولهذا نحن بحاجة إلى نساء على شاكلتهما؛ لا يعتذرن عن قوتهن، ولا يخفضن أصواتهن حتى يصبح كلامهن بلا أثر، ولا يتراجعن أمام أول موجة اعتراض. نحتاج نساءً يجادلن بالحجة، يواجهن بشجاعة، ويتمسكن بما يرينه حقًا عندما يستحق الأمر المواجهة. نحتاج نساءً يعرفن أن إغضاب الآخرين ليس الهدف، لكنه أحيانًا الثمن الذي يُدفع عندما تختار المرأة أن تكون حاضرة فعلًا، لا مجرد امرأة تجلس تحت القبة.
أقعدي يا هند........



