لم ينتظر أحد أن يُستدعى.
حادثة سير مؤسفة في منطقة الأبيض بمحافظة الكرك: حافلة مدنية تقل مكلفي خدمة العلم عائدين إلى أهاليهم في جنوب المملكة، اصطدمت بمركبة شحن.
في الساعات الأولى، أُعلن عن وفاة أربعة من المكلفين وسائق الحافلة، وإصابة سبعة عشر آخرين. ثم ارتفعت الحصيلة مع وفاة مصابين متأثرين بجراحهما، حتى بلغت سبعة قتلى حتى ساعة كتابة هذه السطور.
وراء كل رقم اسم. ووراء كل اسم بيت ينتظر عودة صاحبه.
وفي الثاني عشر من أيلول، وصل رئيس هيئة الأركان المشتركة اللواء الركن مجدي محمد الحراسيس، يرافقه مديرو الأجهزة الأمنية وعدد من كبار ضباط القوات المسلحة.
زاروا المصابين في المستشفيات، وقدموا واجب العزاء إلى أسر المتوفين.
لا بيان بالنيابة عنهم. ولا مكالمة هاتفية تكفي بدلا منهم.
الباشوات وصلوا!
ووقف مدير المخابرات العامة اللواء أحمد حسني حاتوقاي بين ذوي أحد مكلفي خدمة العلم من أبناء الزوايدة، وقال لهم، بحسب ما نقلته وسائل إعلام محلية: أنتم الأصل.. وأمانتكم ستصل إلى جلالة الملك.
وتحدث عن قيادة هاشمية تتابع تفاصيل حياة المواطنين، وعن أصالة العشائر الأردنية في الترابط والتعاضد، ثم قرأ الفاتحة.
هنا تتغير زاوية النظر إلى المشهد.
مدير المخابرات العامة، الذي تقوم إحدى الوظائف الأساسية لجهازه على قراءة ما وراء الحدث، ظهر هذه المرة داخل الحدث نفسه: في بيت عزاء.
وهذا، سياسيا وإنسانيا، تقدير موقف من نوع آخر.
فالرجل الذي يعمل في صميم قراءة ما لا يظهر، ظهر هنا في أكثر الأماكن ظهورا: أمام عائلة فقدت واحدا من أبنائها.
واللافت أن الرسالة الملكية التي وُجهت إليه عند توليه موقعه عام 2019 وضعت أمام هذا المنصب معايير واضحة: المهنية، والنزاهة، والعدالة، وصون حقوق المواطن وكرامته، وربطت المسؤولية بالمساءلة، والمنصب بالتكليف وخدمة الوطن والمواطن.
زيارة بيت العزاء تستحضر معنى أوسع: أن الدولة حين تقول إنها تتابع تفاصيل حياة مواطنيها، فالتفاصيل الحقيقية تبدأ من هنا.
من المستشفى. من بيت الفقيد. من كرسي يجلس عليه مسؤول كبير أمام أب مكلوم.
فهناك دولة الإجراء التي تكفيها البيانات والبرقيات، وهناك دولة الحضور التي تقيس نفسها بمسافة الكرسي عن جسد الفقيد.
أعرف هذه المسافة بين المواطن والدولة حق المعرفة، لأنني عشت وجها آخر لها.
درست في سوريا طالبا في تسعينيات القرن الماضي، وعرفت هناك معنى الاشتباك مع أحد فروعها الأمنية.
ولا أكتب هذا لأدين شعبا. أهل سوريا الذين عرفتهم وأحببتهم لم يكونوا يوما ذلك النظام، ولا يتحملون وزره.
لكن التجربة علّمتني الفرق بين باب تدخله خائفا، لا تعرف متى تخرج منه، وباب تدخل إليه الدولة نفسها لتحمل معك العزاء.
على مدى عقود، ارتبطت أجهزة النظام السوري السابق، وفق ما وثقته منظمات حقوقية دولية، بالاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب.
وانتهت عائلات كثيرة إلى انتظار طويل لمعرفة مصير أبنائها.
سقط ذلك النظام في نهاية 2024.
لكن السؤال الذي تركته التجربة أكبر من سوريا نفسها: هل تكون الدولة سلطة يخشاها المواطن، أم مؤسسة تحميه؟
هناك دولة يكون سؤالها: أين ذهب المواطن؟
وهناك دولة يبقى سؤالها: أين المواطن؟
هذا الفارق جوهر العلاقة بين الدولة والناس.
وحين يقول مدير المخابرات إن القيادة تتابع تفاصيل حياة المواطنين، فالعبارة ليست مديحا عابرا، لأن التفاصيل هي المكان الذي يعيش فيه المواطن فعلا. في المستشفى. وعند باب بيت الفقيد. وفي اللحظة التي لا يحتاج فيها أهل المصاب إلى خطاب طويل عن الدولة، بقدر حاجتهم إلى أن يروها.
ولعل أجمل ما في هذا المشهد أن الأردن لم يصنع هويته من أصل واحد.
أردنيون من جذور متعددة، من الشركس والشيشان والعرب، من الحاضرة والبادية والمخيمات، ومن المسلمين والمسيحيين، صنعوا مع الزمن شيئا مشتركا يُقاس بسؤال أبسط من أي سجل نسب: كيف تقف حين يحتاجك وطنك؟
في ساعة الشدة، لا يسأل الأردني جاره من أين جاء جده. يسأل: ماذا نستطيع أن نفعل؟
وحين تحدث حاتوقاي عن العائلة الهاشمية والعشائر الأردنية وقيم الترابط، حمل كلامه معنى يتجاوز لحظة العزاء: أن الانتماء إلى الأردن أوسع من الأصل، وأن كرامة المواطن لا تُقاس بنسبه ولا بمكانه.
ومع ذلك، فإن الوفاء لهذا المشهد لا يعني إعفاء الدولة من السؤال.
الأردن ليس بلدا بلا مشاكل. ومن يكتب عنه كأنه كذلك لا يخدمه.
الحكومة تتغير. المسؤول يأتي ويذهب. والخطأ يمكن إصلاحه. أما الدولة فتبقى.
وحمايتها تعني إبقاء باب الإصلاح مفتوحا أمامها، وباب النقد مفتوحا دون خوف.
لذلك أقول: ينبغي ألا يكون في الأردن داخل مفقود، ولا خارج مولود.
قد يكون هناك أردني غاضب، أو مختلف، أو بعيد في المهجر منذ سنوات، أو من يشعر أن الدولة قصّرت بحقه. كل ذلك قابل للنقاش. المهم أن يبقى الباب مفتوحا أمامه.
وحين نقول الباشوات وصلوا، ينبغي أن تكون الجملة تذكيرا بمسؤولية تسندها ثقة حقيقية، أعمق من احتفال بالألقاب أو هيبة مجردة.
فالهيبة وحدها تصنع الطاعة.
أما الهيبة التي تسندها الثقة فتصنع الولاء.
والأردن يحتاج إلى دولة تحمي، ودولة تصل. بيت بعد بيت. ولو لم يكن أحد يشاهد.
وباشا الدولة الحقيقي يُعرف في تلك اللحظة التي ينزل فيها من مكتبه إلى كرسي في بيت عزاء، ويصمت حين يكون الصمت أبلغ من الكلام، ويقول: أمانتكم ستصل إلى الملك، حين يكون هذا وحده ما يحتاجه أب مكلوم.
رحم الله من غادروا قبل أن يصلوا إلى بيوتهم، وشفى الله المصابين.
وفي بلد يعرف معنى الفقد، يبقى السؤال الأهم: حين يُغلق بيت على وجع أهله، هل تعرف الدولة أين تطرق الباب؟
في هذه الحادثة، طرقت.
والباشوات وصلوا!



