في المشهد العام، بات مألوفاً أن يخرج مسؤول سابق -بعد أشهر أو سنوات من مغادرته موقعه- ليدلي بتصريحات تكشف خللاً في ملف عام، أو تلمح إلى قرارات اتخذت بمعزل عن الصالح العام، أو تشير إلى ممارسات لم يكن يجوز السكوت عنها حين وقوعها. الظاهرة ليست جديدة في جوهرها، لكن تكرارها وتنميطها وتزامنها -في أحيان كثيرة- مع مفاوضات ضمنية على مواقع فخرية أو عضويات مجالس أو استشارات، يستدعي قراءة أعمق من مجرد التوقف عند مضمون التصريحات ذاتها. فالسؤال الجوهري لم يعد: هل ما يقال صحيح؟ بل: لماذا لم يُقل حين كان قوله واجباً، ولماذا يقال الآن تحديداً؟
المنصب العام ليس امتيازاً شخصياً، بل أمانةٌ محكومة بمنظومة من الواجبات، في مقدمتها واجب الإفصاح حين يكون الإفصاح خدمة للمصلحة العامة، وواجب الاعتراض المؤسسي حين تتخذ قرارات تخالف القانون أو تهدر المال العام. وحين يختار المسؤول -وهو في موقعه- أن يصمت عن خلل يعلمه، ثم يختار -بعد خروجه- أن يفصح عنه في توقيت يخدم مصلحته الشخصية، فإنه لا يمارس شجاعة متأخرة، بل يعيد تعريف المعلومة العامة بوصفها رصيداً خاصاً يوظف في التفاوض. وهنا يقع الانزلاق الأخطر: حين تتحول الحقيقة من التزام مهني إلى سلعة في سوق التسويات.
كثيراً ما تساق حجة (الضغط الحكومي) أو (طبيعة العمل التي لا تسمح بالمصارحة) لتبرير الصمت السابق. غير أن هذه الحجة -على شيوعها- لا تصمد أمام الفحص المهني والقانوني. فالمنظومة التشريعية الأردنية، شأنها شأن كثير من المنظومات المقارنة، توفر للموظف العام مسارات حماية واضحة في مواجهة التعسف: من حق التظلم الإداري، إلى اللجوء للمحكمة الإدارية التي راكمت اجتهاداً قضائياً معتبراً في حماية الموظف من القرارات التعسفية، مروراً بآليات الرقابة الداخلية وديوان المحاسبة وهيئة النزاهة ومكافحة الفساد. فالمسؤول الذي يدعي أنه صمت تحت الضغط، إنما يُقر ضمناً بأنه لم يستخدم أياً من هذه الأدوات المشروعة، وأنه فضّل البقاء في الموقع على أداء الواجب الذي يقتضيه الموقع. وهذا -بحد ذاته- ليس دفاعاً عن النفس، بل شهادة على قصور مهني.
ثمة نمط يستحق التأمل: فكثير من هذه التصريحات لا يخرج عشوائياً، بل يتزامن مع لحظات إعادة توزيع المواقع، أو مع نقاشات تشكيل مجالس إدارة في مؤسسات ذات طابع عام أو شبه عام، أو مع مراجعات تعيينات في هيئات مستقلة. فالتصريح هنا ليس فعلاً تواصلياً بريئاً، بل رسالة تفاوض: تذكير للمنظومة بأن صاحبها يملك ما يقوله، وبأن استيعابه في ترتيب ما هو الثمن المقبول لاستمرار الصمت أو لتعديل مساره. هذا التحوّل -من الإفصاح كواجب إلى الإفصاح كأداة ابتزاز ناعم- ينتج ضرراً مركّباً: فهو يفرغ مفهوم المساءلة من مضمونه حين تصبح المعلومة العامة رهينة لمصالح خاصة، ويشوه سوق التعيينات حين يصبح إسكات الأصوات جزءاً من معايير الاختيار، ويضعف ثقة المواطن حين يدرك أن ما يعرفه اليوم كان معروفاً بالأمس، وأن الفارق الوحيد هو حسابات من يعلم.
الخلل الذي تكشفه هذه الظاهرة أعمق من سلوك أفراد. إنه يشير إلى ضعف في البنية الأخلاقية للعمل العام، حيث لم تترسخ بعد ثقافة تفرق بين حق المسؤول في التعبير بعد المنصب، وبين توظيف موقعه السابق كأداة ضغط. والأنظمة الرشيدة لا تكتفي بمدونات سلوك تحكم فترة الخدمة، بل تنظم بوضوح ما يعرف بـ (أخلاقيات ما بعد المنصب): من فترات تهدئة، وقواعد إفصاح، وقيود على استثمار المعلومات المكتسبة بحكم الوظيفة، وآليات لتلقي البلاغات المتأخرة والتحقق منها بمعزل عن دوافع مطلقيها. إن غياب هذه المنظومة -أو ضعف تفعيلها- يترك الفراغ مفتوحاً أمام منطق المقايضة، ويجعل من الصمت في المنصب والكلام بعده استراتيجية عقلانية من منظور المصلحة الفردية، وإن كانت مدمرة من منظور المصلحة العامة.
ليست القضية في نهاية المطاف قضية أشخاص، ولا في مضمون تصريح بعينه. القضية في ما تكشفه هذه الظاهرة عن العلاقة المختلة بين المعلومة العامة والمصلحة الخاصة، وعن هشاشة المعايير التي تحكم انتقال المسؤولين من داخل المنظومة إلى خارجها ثم -أحياناً- إلى داخلها من باب آخر. فحين يصبح الإفصاح المتأخر ورقة تفاوض، ويصبح الصمت المبكر شرطاً للبقاء، فإن ما يتآكل ليس سمعة أفراد، بل مفهوم المسؤولية العامة ذاته. وما يستحق التفكير: هل نملك -تشريعياً ومؤسسياً وثقافياً- يُعيد للمعلومة العامة صفتها بوصفها حقاً للمجتمع، لا رصيداً في حسابات من يملكها مؤقتاً؟



