*
الثلاثاء: 15 أيلول 2026
  • 14 أيلول 2026
  • 23:15
جو حطّاب حين يصبح نجاح الآخر حافزًا لا خصمًا
الكاتب: محمد الحواري

زيارة جو حطّاب للأردن وما قدّمه من محتوى بصري جميل عن البلد، بالنسبة لي، ليست مناسبة لفتح باب المقارنات بين صُنّاع المحتوى، بقدر ما هي فرصة لنسأل أنفسنا سؤالًا أهم: ماذا يمكن أن نتعلّم من تجربة ناجحة كهذه؟

جو لم يستيقظ ذات صباح ليصبح جو حطّاب الذي نعرفه اليوم. خلف هذه الصورة سنوات طويلة من العمل والتجربة والفشل والمحاولة. تعلّم التصوير، والمونتاج، واستخدام الدرون، والسرد، والإيقاع، وكيف يحوّل المكان من مجرد لقطة جميلة إلى حكاية يريد الملايين أن يكملوا مشاهدتها.

وهنا أسمع أحيانًا من يقول: «طبيعي… جو عنده كاميرات غالية، وتقنيات حديثة، ومعدات لا نملكها».

وأعتقد أن هذه واحدة من أسهل الحجج التي نقنع بها أنفسنا كي لا نحاول.

نعم، المعدات الجيدة تساعد، والتقنيات الحديثة تمنحك خيارات أكبر، لكن الكاميرا لا ترى عنك، والدرون لا يصنع الحكاية، وبرنامج المونتاج لا يمنحك الإحساس.

الكثير مما صنعه جو نستطيع أن نصنع مثله، وربما أجمل منه، بهواتفنا التي نحملها في جيوبنا كل يوم، إذا أحببنا فعلًا ما نصنع، وتعلّمنا كيف ننظر قبل أن نتعلم كيف نصوّر.

الفرق الحقيقي ليس دائمًا في ثمن الكاميرا، بل في العين التي تقف خلفها.

أعطني أحدث كاميرا في العالم من دون فكرة، وسأعطيك صورة عالية الدقة لا تعني شيئًا. وأعطني هاتفًا وشخصًا لديه حكاية وشغف وعين تعرف أين تقف ومتى تضغط زر التسجيل، وقد يصنع لك مشهدًا لا تنساه.

وهذا تحديدًا ما يجب أن نتعلّمه من تجربة جو.

اليوم عاد بهذه الخبرة إلى الأردن وقدّمه بعينه وأسلوبه، وفعل شيئًا أراه مهمًا جدًا: ذكّرنا نحن الأردنيين بأن لدينا بلدًا يستحق أن نعيد النظر إليه بعدسات جديدة.

لكن المؤسف أن نجاح شخص ما يتحول أحيانًا إلى سؤال: لماذا هو؟ ولماذا ليس أنا؟ أو تبدأ المقارنات: فلان أفضل، وفلان أحق، وفلان كان يفعل ذلك قبله.

لماذا؟

لماذا لا تكون لدينا غيرة حميدة؟

لماذا لا أشاهد فيديو جميلًا لجو حطّاب وأقول: رائع… غدًا سأخرج وأحاول أن أصنع شيئًا أجمل؟

ليس لأهزمه، ولا لأثبت أنني أفضل منه، وإنما لأنه رفع السقف أمامي وجعلني أرغب في أن أرفع سقفي أنا أيضًا.

إذا استطاع جو أن يرى الأردن بهذه الطريقة، فماذا أستطيع أنا أن أرى ولم يره هو؟ وماذا يستطيع عشرات ومئات صُنّاع المحتوى الأردنيين أن يروا، كلٌّ بعينه وحكايته وأسلوبه؟

الأردن لا يحتاج إلى جو حطّاب واحد آخر.

يحتاج إلى مئات الأصوات المختلفة، ومئات العيون المختلفة، ومئات الحكايات التي لم ننتبه إليها بعد.

فنجاح جو لا يأخذ شيئًا من أحد. نجاحه يرفع السقف للجميع.

وأتمنى أن نتوقف نحن صُنّاع المحتوى عن التعامل مع هذه المساحة وكأنها مقعد واحد؛ إذا جلس عليه شخص وجب أن يبقى الآخرون واقفين.

لنفرح عندما ينجح واحد منا. ولنضع أيدينا بأيدي بعض. ولننظر إلى نجاح الآخر كدافع للتعلم، لا كسبب للبحث عن عيب فيه.

وشكرًا جو، ليس فقط لأنك صوّرت الأردن بصورة جميلة، بل لأنك ذكّرت كثيرين منا بشيء ربما نسيناه:

أن الحكاية الجميلة قد تكون على بعد خطوات من بيوتنا، وأننا لا نحتاج دائمًا إلى أحدث كاميرا لنرويها… نحتاج أولًا إلى عين تراها، وقلب يحبها، ورغبة حقيقية في أن نتعب من أجلها.

أما رسالتي لكل صانع محتوى، ولي أنا قبل الجميع:

لا تسأل: ماذا يملك جو ولا أملكه؟
اسأل: ماذا تعلّم جو ولم أتعلّمه بعد؟

ثم تعلّم، وجرّب، واخرج بهاتفك إن لم تكن لديك كاميرا، واصنع حكايتك.

فنجاح أحدنا لا يُطفئ ضوء الآخر…
بل يجعلنا جميعًا نرى الطريق بشكل أوضح

مواضيع قد تعجبك