كيف بدأ الوباء؟*
قبل أن تدخل إلى هذه المقالة، أريدك أن تتوقف لثانية وتتذكر.
تذكر آخر مرة كنت فيها في دائرة حكومية، ورأيت موظفاً محترماً يخدم الناس بأدب، فسمعت من بجانبك يهمس: "شايف هذا؟ مسكين، على البركة، كل الناس تضحك عليه".
وتذكر في نفس الدائرة، موظف آخر يصرخ، يهين المراجعين، يرمي الأوراق في وجوههم، فسمعت نفس الشخص يقول بإعجاب: "آه، هذا ذيب! هذا ما حدا بيقدر يضحك عليه!"
تذكر آخر مرة كنت في مجلس عزاء، ورأيت شاباً هادئاً، محترماً، يجلس بأدب ويستمع، فقالوا عنه "هذا مسكين، خجول"، ورأيت شاباً آخر يدخن بصوت عالٍ، يضحك بوقاحة، يقاطع الكبير، فقالوا عنه "هذا رجال، قد حاله، ذيب".
إذا تذكرت هذه المشاهد، فأنت تعرف عن ماذا أتحدث. أنت لا تقرأ مقالة جديدة، أنت تقرأ وصفاً لحياتك اليومية.
إن هذه الورقة ليست عن طالب مشاغب في مدرسة بجرش، إنها تقرير الطبيب الشرعي لجثة مجتمع بأكمله.
لقد مات المجتمع مسموماً، واسم السم: ثقافة تمجيد الأزعر.
أتظن أن الزعرنة محصورة في زاوية حارة شعبية؟ أنت واهم. لقد تسللت، وصعدت، واحتلت كل شيء.
احتلت المدرسة، والبلدية، والعيادة، والشركة، والجامعة، ومجلس النواب. من عامل النظافة إلى مستويات، الجميع بات يحكم بعقلية الأزعر، ويصفق للأزعر.
إنها ليست حالات فردية، إنها منظومة قيم مقلوبة تخنقنا.
انظر إلى المدرسة، مسرح الجريمة الأول:
الطالب المؤدب المواظب الذي يحترم معلمه، بماذا ننعته؟ "مسكين، ساذج، على البركة، يُضحك عليه".
والطالب الذي يضرب معلمه ويشتم جاره، بصوته العالي وسيجارته في يده، بماذا ننعته؟ نقف له ونقول بفخر: "ذئب! أسد! يعتمد على نفسه!"
نحن لا نربي أطفالاً، نحن نبرمجهم. نحن نزرع في عقل الطفل معادلة قاتلة: إن كنت محترماً احتُقرت، وإن كنت أزعر احتُرمت.
انظر إلى البلدية والمؤسسة الحكومية، مسرح الجريمة الثاني:
الموظف المحترم الذي يقول لك "تفضل، من فضلك"، نراه ضعيفاً "مسكيناً يُضحك عليه".
والموظف الذي يرمي أوراقك ، ويصرخ "اذهب الى غداً!"، نراه "ذئباً لا يستطيع أحد أن يخدعه" ونحسب له ألف حساب!
حتى أصبح الموظف المحترم نفسه يحلم بأن يصبح أزعر، فقط لكي يحترمه الناس! يا للمهزلة!
وانظر إلى السوق والسياسة، المسلخ الكبير:
التاجر الغشاش "تاجر شاطر وذئب سوق"، والتاجر الأمين "مسكين لا يعرف كيف يبيع".
والنائب الذي يصرخ ويشتم ويقلب الطاولة على الهواء "نائب أسد يمثلنا"، بينما النائب المحترم الذي يعمل بصمت ويقدم القوانين "نائب ضعيف لا قيمة له".
أدركت الآن؟ الزعرنة لم تعد في الشارع، لقد لبست بدلة وربطة عنق، ودخلت العيادة والشركة والمجلس. الزعرنة لم تعد مخالفة للقانون، بل أصبحت هي القانون نفسه.
# وهنا تقع الخيانة العظمى: لقد زوّرنا تراثنا
يأتيك الأزعر ويقول لك "أنا جزء من منظومة تراث ". كاذب.
إن تراثنا الأصيل لم يمجّد الأزعر يوماً في تاريخه.
افتح كتب التراث:
الرجولة لم تكن يوماً صوتاً عالياً، بل كانت حياءً. كان الرجل يستحي أن يرفع صوته في حضرة أبيه.
الرجولة لم تكن بلطجة، بل كانت أمانة، بأن تحفظ مال جارك وتصون عرضه كأنه مالك وعرضك.
الرجولة لم تكن سيجارة على ناصية الطريق، بل كانت كداً وعوناً، بأن تنهض قبل الفجر وتعود
الرجولة كانت كلمة، كلمة واحدة، إذا قلتها متّ دونها.
أما ذئبكم الجديد فهو مسخ مشوه، أخذ من الرجولة أسوأ ما فيها: العصبية والعنجهية والصراخ، ورمى في القمامة أفضل ما فيها: الكرم والمروءة والحياء.
كان جدنا إذا مرت فتاة في الحارة خفض بصره وتمتم: "ستر الله عليها، كأنها إحدى بناتي".
أما حفيده "الذئب" اليوم، فإذا مرت فتاة رفع صوته وتحرش بها وضحك، ونحن نصفق له ونقول "ذئب"!
أي تراث هذا؟ هذا ليس تراثنا، هذا عارنا نحن.
### ماذا يفعل بنا تمجيد الأزعر؟ إنه يقتلنا بثلاث رصاصات:
الرصاصة الأولى: يجعله قدوة.
عندما تصفق للأزعر وتسميه ذئباً، فأنت تقول لكل طفل في الحي: كن مثله. فأنت بيدك تصنع جيشاً كاملاً من الأزعر في كل بيت وكل طبقة.
الرصاصة الثانية: يجعله حاكماً.
هذا الأزعر الذي مجدته في المدرسة سيصبح غداً مديرك وطبيبك ورئيس بلديتك ونائبك ووزيرك. وبماذا سيحكمك؟ بنفس الأدوات التي تعلمها: بالصراخ والإهانة والتخويف. ولهذا شلت كل مؤسساتنا، لأنها لا تدار بعقلية ، بعقلية الحارة.
الرصاصة الثالثة وهي القاتلة: تجعل المحترم منبوذاً.
وهذه هي الجريمة التي لا تغتفر. فالشاب المحترم والموظف المحترم والتاجر المحترم الذي يواظب على عمله ويحترم الناس، نهينه كل يوم ونقول "مسكين"، حتى يكره احترامه لنفسه، فينزوي أو يهاجر ويترك لكم البلد، أو ينفجر ويتحول هو الآخر إلى أزعر لكي يستطيع أن يعيش.
إن المجتمع الذي يمجد الأزعر ويحتقر المحترم، إنما يوقع بنفسه على شهادة وفاته. لا يحتاج إلى عدو من الخارج، هو ينتحر كل يوم.
فما الحل؟
الحل هو ثورة في القاموس.
توقفوا عن الكذب.
لا تسموا قليل الأدب "ذئباً"، سموه باسمه: قليل أدب.
ولا تسموا الرجل المحترم "مسكيناً"، سموه باسمه الحقيقي: رجل.
عندما نصحح كلماتنا، سنصحح مجتمعنا.



