كشف الصراع الحالي بين الولايات المتحدة واسرائيل من جهة وايران من جهة اخرى حقيقة كان يجري تأجيل مواجهتها لسنوات وهي ان بعض الدول الخليجية الصغيرة تقف فوق جغرافيا شديدة الحساسية بينما قدراتها الذاتية على حماية هذه الجغرافيا لا تتناسب دائما مع حجم المخاطر المحيطة بها
المسألة ليست في صغر الدولة بحد ذاته فهناك دول صغيرة استطاعت ان تبني لنفسها وزنا سياسيا واقتصاديا يفوق حجمها الجغرافي لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح امن الدولة مرتبطا بصورة شبه كاملة بقوة خارجية وبقواعد عسكرية لا تملك الدولة قرار بقائها او رحيلها
وهذا ما كشفته الحرب الحالية بوضوح فقد تعرضت منشآت ومواقع في دول خليجية لهجمات مرتبطة بالصراع الايراني الاميركي بينما وجدت هذه الدول نفسها في قلب المواجهة بسبب وجود القوات والقواعد الاميركية على اراضيها
والسؤال ليس ماذا يحدث عندما تبقى القواعد الاميركية بل ماذا يحدث عندما تقرر واشنطن ان مصالحها الاستراتيجية لم تعد تتطلب هذا الوجود بالحجم نفسه
امريكا لا تنشر قواتها في الخليج لاعتبارات عاطفية ولا تعتبر وجودها هناك التزاما ابديا تجاه انظمة بعينها فهي تتحرك وفق مصالحها وموازين القوة وتكاليف الانتشار ومنافسة الصين وروسيا وطبيعة التهديد الايراني وامن الطاقة والممرات البحرية واذا تغيرت هذه الحسابات فقد يتغير شكل الوجود الاميركي
وهنا تظهر المفارقة فالدولة الخليجية التي تستضيف القاعدة الاميركية تحصل على مظلة امنية لكنها في الوقت نفسه قد تتحول الى هدف بسبب هذه القاعدة ولذلك لا ينبغي ان تبني مستقبلها على افتراض دائم بأن القوة الخارجية ستبقى راغبة في دفع كلفة الدفاع عنها
ولا يعني ذلك ان هذه الدول لا مستقبل لها او ان عليها ان تذوب في دول اكبر فهذا تبسيط للمشكلة فالخطر الحقيقي هو ان تكون الدولة صغيرة في الجغرافيا وضعيفة في القدرة الذاتية وتعتمد في الوقت نفسه على قوة عظمى يمكنها اعادة تموضعها عندما تتغير اولوياتها
وهنا يصبح الاتحاد والتكامل الخليجي اكثر من شعار سياسي فالمطلوب منظومة امنية ودفاعية واقتصادية متكاملة تجعل الاعتداء على اي دولة خليجية تهديدا لكل المنظومة وتجعل قرار الحرب والسلم شأنا اقليميا لا مجرد انعكاس لقرار قوة خارجية
فالدرس الذي قدمته الحرب الحالية ليس ان امريكا ستغادر غدا ولا ان هذه الدول ستسقط غدا بل ان الاعتماد الكامل على المظلة الخارجية يحمل في داخله نقطة ضعف استراتيجية ومن يعتقد ان القاعدة الاجنبية هي التي تمنح الدولة مستقبلها قد يكتشف يوما ان القاعدة نفسها يمكن ان تنتقل الى مكان اخر
وعندها لن يكون السؤال من يحمي هذه الدول فقط بل هل بنت في زمن الوفرة ما يكفي من القوة والمؤسسات والتكامل بحيث تستطيع حماية مستقبلها عندما تتغير مصالح الآخرين
فالامن المستعار قد يكون ضروريا في مرحلة لكنه لا يصنع دولة قوية الى الابد



