في الوقت الذي تضيق فيه عمّان بسكانها، وتتسع شوارعها للسيارات أكثر مما تتسع للناس، تبدو محافظات أخرى في المملكة وكأنها تنتظر نصيبها من الحياة. فالعاصمة تستقطب السكان والعمل والاستثمار والخدمات، حتى أصبح الانتقال إليها بالنسبة لكثير من الأردنيين ليس اختيارًا بقدر ما هو بحث عن فرصة، بينما تظل محافظات الجنوب وغيرها أقل كثافة سكانية، رغم ما تختزنه من موارد وإمكانات ومقومات للحياة والتنمية. وليس من العدل أن نلوم المواطن لأنه ترك بلدته واتجه إلى عمّان؛ فالناس تذهب حيث توجد الوظيفة، والجامعة، والمستشفى، والخدمة، والفرصة. ومن هنا فإن معالجة ازدحام العاصمة لا تبدأ بتوسعة شارع أو إنشاء جسر جديد، وإنما تبدأ بسؤال أكثر عمقًا: لماذا لا نذهب بالتنمية إلى الناس بدل أن نجعل الناس يذهبون إلى التنمية؟ لقد بدأت بعض المدن في العالم تقدم حوافز مالية لاستقطاب السكان والعاملين عن بُعد، لأنها أدركت أن الإنسان الجديد ليس مجرد ساكن، بل حركة اقتصادية واجتماعية تضخ الحياة في المكان. فلماذا لا نفكر في نموذج أردني يجعل من المحافظات بيئة جاذبة للسكن والعمل والاستثمار؟ لماذا لا نقدم حوافز لمن يختار الاستقرار فيها، ونشجع الشركات والمشروعات على الانتقال إليها، ونمنح الشباب أسبابًا حقيقية للبقاء؟ إن الطفيلة ومعان والكرك والمفرق وغيرها ليست فقيرة بالإمكانات، وإنما تحتاج إلى من يحوّل إمكاناتها إلى فرص. نحن لا نريد إفراغ عمّان من سكانها، ولا نستطيع ذلك، لكننا نستطيع أن نجعلها أقل اضطرارًا لاستقبال المزيد. فالأردن لا يحتاج إلى أن يكبر سكانه في العاصمة وحدها، بل يحتاج إلى أن تكبر كل محافظاته بالفرص. وعندما يجد الشاب في محافظته عملًا كريمًا، وسكنًا مناسبًا، وخدمات جيدة، وبيئة آمنة ومستقرة، فلن تكون عمّان حلمه الوحيد. عندها فقط نكون قد عالجنا أصل المشكلة، لا أعراضها؛ لأن المدن لا تجذب الناس بكثرة أبنيتها، وإنما بما تمنحه لهم من حياة. وربما آن الأوان أن نغيّر السؤال من: كيف نستوعب ازدحام عمّان؟ إلى سؤال أكثر حكمة: كيف نجعل محافظات الأردن أماكن تستحق أن نعيش فيها؟



