قبل أن تصل إلى هذا الفصل، أريدك أن تتوقف دقيقة وتتذكر معي ما فعلناه في هذا الكتاب.
نحن لم نكتب كتاب سياحة. نحن كتبنا محضر تشريح لجثة اسمها جرش.
في الفصل الأول، جلسنا مع الشاب الجرشي. ذلك الشاب الذي تخرج من الجامعة، يحمل شهادة، ويجلس من العصر إلى العشاء على كرسي بلاستيك أبيض أمام دكانة أبيه. لا يملك ثمن قهوة، ولا يملك حق الحلم. قلنا إن جرش تصدر شبابها إلى عمان وإلى الخليج كما تصدر أي قرية فاشلة أبناءها.
في الفصل الثاني والثالث، دخلنا إلى سوق جرش، ورأينا كيف أن المدينة الحية تموت. الدكاكين مغلقة، والآثار بجانبها تلمع للسياح الأجانب فقط. أهل جرش يمرون بجانب المدرج الروماني ولا يدخلونه، لأن تذكرته أغلى من يوميتهم.
وفي الفصل السادس، وهذا كان أقسى فصل، تحدثنا عن سجن الصمت. كلنا نعرف أن المسؤول فاشل، كلنا نعرف أنه لم يزفت إلا شارع بيته، لكننا لا نستطيع أن نقول كلمة واحدة، لأنهم سيقولون عنا "هذا ضد العشيرة" و "هذا حسود". فصنعت ثقافة العيب سجناً كبيراً من الصمت، اسمه محافظة جرش.
ثم جاء الفصل السابع، وكسرنا المحرم. حسبناها بالأرقام. ماذا فعل المسؤول الذي نسميه "أسد جرش"؟ بالأرقام: صفر مصنع لجرش، صفر مشروع لجرش، صفر منحة لفقير. وفي المقابل: ابن تم نقله، أخ تم توظيفه، شارع تم فتحه لبيته. صفر لنا، وأربعة لبيته. ومع ذلك ما زلنا نكتب له "كفو يا أسد".
الآن، بعد تسعة فصول من البكاء والنقد والتشريح، وصلنا إلى غرفة الإنعاش. ووصلنا إلى السؤال الذي يهرب منه كل نائب وكل رئيس بلدية وكل مرشح: بعد كل هذا الخراب الذي شاركنا جميعاً في صنعه، كيف ننقذ جرش؟
جرش اليوم ليست مدينة واحدة. جرش مدينتان مقسومتان بساطور. مدينة حية على الجبل، تتنفس وتتكاثر وتبيع وتشتري، ومدينة ميتة في الوادي، جميلة جداً لكنها ميتة، يزورها السائح ساعتين ليتصور ويمشي. وما بين المدينتين، وضعنا نحن جدار برلين صغير وسميناه "شارع الفصل". هو ليس شارعاً، هو إهانة. هو اعتراف رسمي أننا فشلنا في ربط حاضرنا بماضينا.
ما سأقوله الآن ليس حلماً ولا خيالاً. هذه هي نفس الوصفة التي استخدمتها مدن مثل البتراء ومادبا وأربيل ودخلت اليونسكو وبدأت تدر الملايين. وهي تقوم على ثلاث ضربات جراحية فقط، بدونها ستبقى جرش مجرد ممر.
أولاً: رؤية لربط الحضري بالأثري - يجب أن نهدم شارع الفصل
هذه هي الجريمة الأصلية. شارع الفصل الذي يفصل المدينة الحديثة عن المدينة الأثرية يجب أن يلغى تماماً.
كيف سيرى السائح جرش وهو يركض بين السيارات والباصات؟ السائح لا يريد أن يعبر أوتوستراد ليدخل التاريخ.
الحل:
1. إلغاء شارع الفصل وتحويله إلى ساحة مشاة رومانية.
2. إنشاء الجسر الروماني: جسر حجري عريض فوق نهر الذهب، يربط السوق القديم ببوابة هادريان مباشرة. يمشي عليه الناس، لا تمشي عليه السيارات.
3. الدرج الروماني: من حي الجبل إلى الآثار. درج حجري كبير يجلس عليه الناس مثل الدرج الإسباني في روما. يتحول من مكان عبور إلى مكان جلوس.
عندما نربط الحضري بالأثري، يتحول السائح من زائر يمر ساعتين إلى زائر يبقى يومين. وهذا هو معنى شعارنا: جرش مقر وليست ممر.
ثانياً: خطة إدارة مستدامة بمعايير اليونسكو
جرش لن تدخل اليونسكو لأن آثارها جميلة. كل آثار العالم جميلة. ستدخل اليونسكو عندما يكون عندها "خطة إدارة".
ما معنى خطة إدارة؟ معناه أن البلدية تتوقف عن عقلية الجباية والتنظيف، وتتحول إلى شركة تدير موقعاً عالمياً.
معايير اليونسكو بسيطة: من يدير الموقع؟ أين يذهب دخله؟ كيف نحميه من الزلازل والحريق والبناء العشوائي حوله؟ كيف نشرك أهل المدينة في إدارته؟
ثالثاً والأهم: جرش كمورد اقتصادي لأهلها وليس عبئاً عليهم
اليوم أهل جرش يكرهون الآثار. لماذا؟ لأن الآثار جلبت لهم الأزمة. سكرت شوارعهم، ومنعتهم من البناء، ولم تعطهم قرشاً واحداً.
المفروض أن يكون العكس.
ابن جرش يجب أن يكون هو الدليل السياحي، وهو صاحب المطعم، وهو صاحب الفندق الصغير، وهو من يبيع التذكار. يجب أن نقول له: هذه الآثار ليست عبئاً عليك، هذه هي راتبك.
عندما يصبح كل بيت في جرش مستفيداً من كل سائح، سيحرس أهل جرش الآثار بأجسادهم، ولن نحتاج إلى شرطي واحد.
*الخلاصة النهائية.
جرش لا تحتاج إلى مسؤول جديد، ولا إلى نائب جديد، ولا إلى أسد جديد.
جرش تحتاج إلى قرار واحد شجاع: أن نكسر شارع الفصل الذي فصلنا عن تاريخنا، ونبني جسراً يربطنا بمستقبلنا.
إما أن تبقى جرش ممراً يمر منه العالم ويضحك علينا، أو تتحول إلى مقرٍ يسكن فيه العالم وتدخل جيوبنا.
هذا هو القرار.



