جعفر حسان لا يحبنا!
وهذه، ربما، أجمل تهمة يمكن أن توجه إلى رئيس حكومة.
لأن رئيس الحكومة الذي يريد أن يحبه الناس، يستطيع أن يقول لهم كل صباح ما يحبون سماعه.
أما الذي يختار أن يترك الكلام خلفه، ويضع نفسه أمام امتحان النتائج، فيدخل منطقة أكثر قسوة.
منطقة الأرقام.
ومنطقة الوقت.
ومنطقة المواطن الذي لا يسأل ماذا قيل له، بقدر ما يسأل ماذا تغير في حياته.
في الثامن عشر من أيلول 2024، أدى جعفر حسان اليمين الدستورية رئيسا للوزراء.
ومنذ ذلك اليوم، صار السؤال أكبر من شخصه.
كيف يثبت رئيس الحكومة علاقته بالناس؟
بالكلام؟
أم بما يبقى بعد الكلام؟
في السياسة، كما في الحب، الكلمات أرخص من الأفعال.
يمكنك أن تقول إنك تحب الناس.
لكن المواطن لا يستطيع أن يدفع فاتورة الكهرباء بالكلمات.
ولا أن يجد مدرسة أفضل بالكلمات.
ولا أن يستأجر بيتا بالكلمات.
ولا أن يطمئن إلى مستقبل أبنائه بالكلمات.
لهذا، فإن علاقة أي حكومة بالناس لا تقاس بما تقوله عن نفسها، وإنما بما يراه الناس في حياتهم.
وهنا تبدأ قصة جعفر حسان.
بعد نحو مئتي يوم من تشكيل حكومته، قال 74 بالمئة من الأردنيين إن الأمور تسير في الاتجاه الإيجابي، فيما رأى 65 بالمئة أن الحكومة قادرة على تحمل مسؤوليات المرحلة، وقال 71 بالمئة إن رئيس الوزراء قادر على تحملها. وكانت نسبة الثقة بقدرة الحكومة على تحمل مسؤوليات المرحلة هي الأعلى بين الحكومات الأردنية منذ عام 2011، بحسب استطلاع مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية.
لكن ما يشغلني أكثر من هذه الأرقام الثلاثة، 71 و65 و74، هو ما يأتي بعدها.
لأن الثقة ليست شيكا مفتوحا.
المواطن يمنح ثقته، ثم يراقب.
ثم ينتظر.
ثم يعيد الحساب.
وبعد عام ونصف، بقيت الصورة إيجابية، لكنها أصبحت أكثر تعقيدا.
66 بالمئة قالوا إنهم يثقون بالحكومة الحالية.
62 بالمئة رأوا أنها قادرة على تحمل مسؤوليات المرحلة.
64 بالمئة رأوا أن جعفر حسان قادر على تحملها.
ومن بين الذين رأوا الأمور تسير في الاتجاه الإيجابي، أرجع 68 بالمئة ذلك إلى الأمن والأمان والاستقرار.
وهنا تظهر الحقيقة الأولى.
الثقة بالحكومة موجودة.
لكنها ليست ملكا للحكومة.
والاستقرار الذي يمنح الأردنيين شعورا بالأمان أكبر من عمر أي حكومة، وأكبر من عمر أي رئيس وزراء.
لذلك لا يجوز أن ننسب كل ما هو جيد إلى حكومة، ولا أن نحملها كل ما هو سيئ.
وهذه ليست مجاملة.
هذه هي العدالة.
لكن العدالة نفسها تقول شيئا آخر.
رئيس الحكومة مسؤول عن ما يقع ضمن صلاحيات حكومته.
والدستور واضح في هذا الباب.
مجلس الوزراء يتولى مسؤولية إدارة شؤون الدولة الداخلية والخارجية في حدود ما يقرره الدستور والقانون، ورئيس الوزراء والوزراء مسؤولون أمام مجلس النواب عن السياسة العامة للدولة، وكل وزير مسؤول عن أعمال وزارته.
أي أن كرسي رئيس الوزراء ليس خاليا من القرار!
وفي الوقت نفسه، ليس رئيس الوزراء هو الدولة كلها.
وهذه نقطة يجب أن تبقى واضحة عندما نحاسب أي رئيس حكومة.
لا نحاسبه على ما ليس في يده.
ولا نعفيه مما هو في يده.
ثم انظروا إلى الدين.
في 2024 بلغت الزيادة السنوية في فوائد القروض الداخلية والخارجية نحو 396 مليون دينار.
وفي 2025 تراجعت الزيادة إلى نحو 90.9 مليون دينار.
أي إن الزيادة الإضافية في فاتورة الفوائد انخفضت بنحو 305 ملايين دينار، وبنحو 77 بالمئة.
هذا رقم مهم.
لكنه ليس معجزة.
ولا يعني أن الدين اختفى.
ولا يعني أن 305 ملايين دينار تحولت تلقائيا إلى مدارس ومستشفيات ورواتب.
المعنى الأدق أن سرعة ارتفاع كلفة الفوائد تباطأت بصورة كبيرة.
وهذا، في دولة تعيش تحت ضغط الدين، تطور يستحق أن يقرأ بحجمه الحقيقي.
لا أكبر.
ولا أصغر.
والحب السياسي، إن أردنا استخدام هذه الكلمة، يبدأ هنا.
أن تقول للمواطن ماذا تغير فعلا.
لا أن تقول له إن المشكلة انتهت.
ثم تأتي مدينة عمرة.
مشروع يمتد على نحو 25 عاما، وتقام مرحلته الأولى على 40 ألف دونم من أصل نحو نصف مليون دونم من أراضي خزينة الدولة، فيما يستهدف الاستجابة للنمو السكاني المتوقع، خصوصا في عمان والزرقاء، حيث تشير التقديرات الرسمية إلى احتمال وصول عدد السكان فيهما إلى نحو 11 مليون نسمة خلال 25 عاما إذا استمر النمو على مساره الحالي.
خمسة وعشرون عاما!
وهنا أحب هذا الرقم.
لأنه يخرج السياسة من يومها إلى مستقبلها.
قد لا يكون جعفر حسان في موقعه عندما تكتمل مدينة عمرة.
وقد يأتي بعده رئيس ورئيسان وثلاثة.
وقد يتغير الوزراء.
وقد تتغير الحكومات.
لكن المشروع، إذا نجح، سيبقى.
وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي مسؤول.
هل يعمل من أجل الصورة التي ستظهر بجانب اسمه؟
أم من أجل شيء قد يكتمل بعد أن يغادر مكتبه؟
أن تزرع شجرة وأنت تعرف أنك قد لا تجلس تحت ظلها، هذا شكل نادر من أشكال العمل العام.
وهنا يصبح السؤال أجمل من السياسة نفسها.
من يحب المستقبل أكثر؟
من يتحدث عنه؟
أم من يبني له مكانا؟
ثم جاء التعديل الوزاري في 11 آب 2026.
أصبح وليد المصري نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للإدارة المحلية، ومهند شحادة نائبا لرئيس الوزراء ووزير دولة للشؤون الاقتصادية، وأصبح عزمي محافظة وزيرا للتربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية.
لكن القصة ليست في الأسماء.
القصة فيما ستفعله هذه المواقع.
فالوزير الجديد لا يضيف شيئا إلى المواطن بمجرد تغيير بطاقة التعريف.
الإصلاح الإداري الحقيقي هو أن تختفي عقبة من طريق المواطن.
أن تختصر معاملة.
أن تتراجع البيروقراطية.
أن يعرف الطالب أين يذهب، وماذا يتعلم، وكيف ينتقل من المدرسة إلى سوق العمل.
وأن لا يضطر المواطن إلى معرفة أسماء عشرة موظفين حتى يحصل على حقه.
عندها فقط يصبح التعديل الوزاري أكثر من تعديل.
ويصبح التغيير تغييرا.
ثم تأتي النزاهة.
في التقرير السنوي لهيئة النزاهة ومكافحة الفساد لعام 2025، الذي تسلمه جلالة الملك عبدالله الثاني، بلغت قيمة الأموال التي استردتها الهيئة أو ساهمت في استردادها أو منعت هدرها نحو 79 مليون دينار، فيما أحالت 298 ملفا تحقيقيا إلى الادعاء العام.
وهذا رقم لا ينبغي تجاهله.
لكن السؤال الأهم يظل أبعد من الرقم.
كم ضررا منعناه قبل أن يقع؟
فالدولة الأقوى في مواجهة الفساد ليست التي تسترد المال بعد ضياعه فقط.
إنها التي تجعل ضياعه أصعب من الأصل.
وهنا أيضا لا يكفي أن نقول إن الحكومة فعلت.
ولا يكفي أن نقول إنها لم تفعل.
علينا أن نسأل:
هل أصبحت قواعد العمل أكثر وضوحا؟
هل أصبحت الرقابة أكثر فاعلية؟
هل أصبح المال العام أكثر حماية؟
هل أصبح المواطن أكثر قدرة على معرفة أين تذهب أمواله؟
هذه أسئلة يمكن قياسها.
وهذا ما يجعلها أقسى من الشعارات.
ثم نصل إلى الـ34 بالمئة.
66 بالمئة يثقون بالحكومة.
وهذا يعني أن 34 بالمئة لا يمنحونها هذه الثقة.
هوياتهم غير معروفة، وأسباب مواقفهم كذلك، ولا يجوز أن نفترضها.
لكن وجودهم وحده، بصرف النظر عن كل ذلك، سؤال لا يمكن تجاهله.
لأن أخطر خطأ يمكن أن ترتكبه أي حكومة هو أن تقع في حب الذين يحبونها.
عندها تبدأ بسماع التصفيق.
والتصفيق، مهما كان جميلا، لا يمثل البلد كله.
الحكومة التي تسمع المؤيدين فقط تسمع نصف الحقيقة.
أما الحكومة التي تبحث عن المعترض، فتحاول أن تسمع البلد كله!
وهنا، ربما، يوجد أصعب امتحان أمام جعفر حسان.
ليس أن يرفع نسبة الثقة.
بل أن يفهم لماذا لم يمنحه الآخرون ثقتهم.
ليس أن يقنع من اقتنع.
بل أن يسأل من لم يقتنع:
ماذا لم يصل إليك؟
ما الذي لم يتغير؟
أين أخطأنا؟
وماذا تريد من الدولة؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى حملة علاقات عامة.
تحتاج إلى شجاعة.
لأن الإجابة قد لا تكون مريحة.
بعد خمس سنوات، لن يتذكر الأردني 64 بالمئة.
ولا 66 بالمئة.
ولا 74 بالمئة.
سيبحث عن شيء أبسط.
هل أصبحت حياته أفضل؟
هل أصبح الطريق إلى المدرسة أسهل؟
هل وجد ابنه فرصة؟
هل أصبحت الخدمات أكثر عدلا؟
هل أصبحت الدولة أسرع؟
هل أصبحت أموالها أكثر أمنا؟
وهل أصبحت مدينة عمرة مدينة حقيقية، أم بقيت فكرة جميلة على الورق؟
عندها فقط ستصدر النتيجة التي لا يستطيع أي استطلاع أن يمنحها مسبقا.
وسيكتب المواطن النتيجة بنفسه.
لا يحتاج جعفر حسان أن يقول إنه يحب الأردنيين.
ولا يحتاج الأردنيون أن يسمعوا منه كلمة حب واحدة.
يكفي أن يترك وراءه شيئا يعيش بعده.
مدرسة أفضل.
مدينة تنمو.
دين أقل كلفة.
إدارة لا تعذب المواطن.
مال عام أكثر حماية.
وفرصة يجدها شاب لم يكن يعرف إلى أين يتجه.
عندها، ربما، لن يقول الأردني:
«قال لنا إنه يحبنا».
سيقول شيئا أقوى.
سيقول:
«لم يقلها لنا... لكنه فعلها!»
وهذه، في السياسة، قد تكون أجمل شهادة حب يمكن أن يحصل عليها رئيس حكومة.



