في كل دورة من دورات الاختبار الدولي للطلبة (PISA)، تطرح الأرقام أمام الحكومات لا بوصفها نتائج امتحان، بل بوصفها مرآة صادقة تعكس قدرة المنظومات التعليمية على مواكبة تحولات المعرفة، وترجمة الاستثمار في التعليم إلى مخرجات قابلة للقياس. ولذلك، فإن قراءة نتائج دورة 2025 لا تختزل في مقارنة درجات، بل في فهم ما تقوله هذه الدرجات عن جودة السياسات، ونضج المؤسسات، وقدرة الدول على التعلم من دوراتها السابقة.
الأردن، الذي دأب على المشاركة في هذا الاختبار منذ سنوات، جاءت نتائجه في هذه الدورة حاملةً إشارة تستحق التوقف عندها: تحسن متزامن في المباحث الثلاثة الرئيسة. فقد ارتفع متوسط العلوم من 375 في دورة 2022 إلى 407 في دورة 2025، وارتفع متوسط الرياضيات من 361 إلى 388، فيما صعد متوسط القراءة من 342 إلى 363. وهذه ليست قفزات عابرة، بل مؤشرات على أن جهدا ما داخل المنظومة قد بدأ يثمر، وأن السياسات التي رافقت السنوات الأخيرة - من مراجعات المناهج، إلى برامج تأهيل المعلمين، إلى تطوير أدوات التقييم - تجد طريقها التدريجي إلى الفصل الدراسي.
اللافت في هذه الدورة أن التقدم الأردني جاء في سياق دولي مغاير. فمتوسطات دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية سجلت تراجعا في المباحث الثلاثة: فقد انخفض متوسط الرياضيات من 480 إلى 469، ومتوسط القراءة من 482 إلى 466، ومتوسط العلوم من 491 إلى 486. أي أن الأردن ارتقى بينما كان العالم المتقدم يتراجع. وهذه مفارقة تستحق الإشادة، لأنها تشير إلى أن الأردن نجح في مقاومة موجات ما بعد الجائحة التي ضربت جودة التعلم في أعرق الأنظمة التعليمية، وأنه استطاع، ضمن موارده وظروفه، أن يعاكس التيار في لحظة يبدو فيها الجميع مأخوذًا به.
غير أن قراءة هذه المفارقة لا يجب أن تتحول إلى تهدئة للطموح. فالمسافة بين نتائج الأردن والمتوسط الدولي لا تزال قائمة، ولو أنها آخذة في الضيق ولم تصل لنتائج العام 2018 الذي أحرز فيه الأردن مستويات متقدمة بالقراءة 419 وبالرياضيات 400 والعلوم 429. وحين نضع الأرقام جنبا إلى جنب، ندرك أن ما تحقّق هو بداية مسار، لا نهايته. فالتقدم من 361 إلى 388 في الرياضيات، وإن كان مبشراً، يظل بعيداً عن 469؛ والقفزة في العلوم إلى 407 تحتاج إلى قفزة موازية كي تلامس 486؛ والقراءة، رغم صعودها، ما زالت تحمل الفجوة الأوسع. صحيح أن الطريق مفتوح، لكنه طويل، وكسر المتوسطات الدولية هو الهدف الذي ينبغي أن يظل حاضراً في وجدان صانع السياسة التعليمية.
دورة 2025 أضافت مبحثًا جديدًا هو (حل المشكلات الرقمية)، وهو ليس مجرد اختبار إضافي، بل إعلان ضمني من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأن معايير الجاهزية المعرفية للطلبة قد تحولت. لم يعد كافيًا أن يقرأ الطالب ويحسب ويفهم الظواهر العلمية؛ بات مطلوباً منه أن يفكر في بيئة رقمية، ويتعامل مع أدواتها، ويحلّ مشكلاتها بمنطق تكاملي. هذا التحول يضع الأنظمة التعليمية العربية، ومنها الأردن، أمام سؤال مصيري: هل مناهجنا مصممة لتخريج مفكرين رقميين قادرين على التعامل مع تعقيد العصر، أم لتخريج طلاب يجيدون امتحانات تقليدية؟
الإجابة عن هذا السؤال ليست شعاراً يرفع، بل مشروع سياسة تعليمية طويل النفس، يبدأ من إعادة تعريف الكفايات الأساسية، ويمر عبر تأهيل الكادر التعليمي، وينتهي بإعادة تصميم بيئات التعلم لتشمل الأدوات والتفكير الرقمي بوصفهما شرطاً لا خياراً. وأداء الأردن في هذا المبحث الجديد سيكون، في الدورات القادمة، مؤشراً حقيقياً على مدى جاهزية المنظومة للانتقال من تحسين الأداء إلى تغيير طبيعة الأداء.
ما يمكن استخلاصه من هذه النتائج، على المستوى المؤسسي، أن التحسن ممكن حين تتضافر عناصر ثلاثة: سياسة واضحة، ومتابعة دقيقة، ومساءلة صريحة عن المخرجات. فالفارق بين نظام تعليمي يتقدم وآخر يتراجع لا يكمن دائما في حجم الإنفاق، بل في نضج آليات المساءلة، وفي قدرة القرار التعليمي على أن يبقى مرتبطاً بالنتيجة لا بالنية، وبالأثر لا بالإجراء.
وإذا كان الأردن قد نجح في تحقيق تقدّم في هذه الدورة، فإن الاختبار الحقيقي يكمن في استدامة هذا التقدم، وتحويله من إنجاز ظرفي إلى منحنى صاعد ثابت. فالتحسن مرّة قد يكون نتيجة جهد أو حظ، أما التحسن المتواصل عبر دورات متتالية فهو الدليل الوحيد على أن المنظومة نفسها قد بدأت تتغير من الداخل.
تمنح نتائج بيزا 2025 الأردن لحظة مشروعة للاعتراف بما تحقق، دون أن تمنحه رخصة للاطمئنان. الأرقام تتحدث عن مسار يتحرك في الاتجاه الصحيح، لكنها في الوقت نفسه ترسم مسافة ما زالت تفصلنا عن المتوسطات الدولية، ومبحثاً جديداً يفرض علينا أن نعيد التفكير في مفهوم التعلم ذاته. والمطلوب اليوم ليس الاحتفاء وحده، بل ترجمة هذا الاحتفاء إلى التزام مؤسسي بمواصلة العمل، بهدوء واتساق، حتى تصبح لحظة التقدم عادة راسخة، لا استثناء عابر.



