*
الثلاثاء: 08 أيلول 2026
  • 08 أيلول 2026
  • 17:32
البنوك الأردنية من حارس للمال إلى صانع للفرصة   لماذا يحتاج الأردن إلى بنك يصنع الاستثمار  لا بنك يكتفي بالإقراض
الكاتب: محمد الحوامدة

عندما نتحدث عن إنعاش الاقتصاد الأردني، يتجه النقاش عادة نحو الحكومة، والإنفاق العام، والاستثمار الأجنبي، والدين العام. لكن هناك لاعبا اقتصاديا يملك قدرة هائلة على تحريك دورة الأموال داخل الاقتصاد، وغالبا ما يُستبعد من هذا النقاش: الجهاز المصرفي.

والسؤال الذي يجب طرحه بصراحة، دون خصومة: هل تقوم البنوك الأردنية اليوم بالدور الكامل الذي يمكن أن تؤديه في إعادة تشغيل الاقتصاد، أم أنها ما زالت تعمل ضمن مساحة مصرفية تقليدية يغلب عليها الإقراض وجمع الودائع وإدارة المخاطر؟

المشكلة ليست أن البنوك لا تقرض. المشكلة أن الاقتصاد الحديث يحتاج إلى أدوات مالية أوسع من القرض التقليدي. فالقرض يعني أن الشركة تحصل على المال اليوم، ثم تبدأ رحلة السداد والفوائد والضمانات. أما التمويل الحديث فيأخذ أشكالا متعددة: تخصيم، توريق للأصول والذمم، تمويل سلاسل التوريد، تمويل جماعي منظم، صناديق استثمار، أدوات رأس مال، تمويل مشاريع، تمويل صادرات، وشراكات استثمارية. وهنا تحديدا تكمن الفجوة التي يجب أن يبدأ الأردن بمعالجتها.

البنك ليس خزنة للأموال... بل مصنع لرأس المال

البنك الحديث لا ينبغي أن يكون مؤسسة تستقبل الودائع ثم تبحث عن عميل قادر على تقديم الضمانات. البنك يجب أن يكون مصنعا لرأس المال؛ يأخذ المدخرات الموجودة في المجتمع ويعيد توجيهها نحو قطاعات إنتاجية قادرة على خلق قيمة مضافة، وفرص عمل، وصادرات، وتكنولوجيا.

وهذا يستدعي الانتقال من سؤال "كم قرضا منح البنك؟" إلى سؤال أكثر أهمية: كم دينارا أعاد البنك تدويره داخل الاقتصاد الحقيقي؟ وكم دينارا من رأس المال ساهم في خلق أصل منتج جديد؟

فالاقتصاد لا يحتاج فقط إلى مزيد من المديونية؛ بل يحتاج إلى زيادة سرعة دوران رأس المال المنتج.

المشكلة ليست في البنوك وحدها... بل في نموذج التمويل

من غير العادل تحميل البنوك وحدها مسؤولية تباطؤ الاقتصاد؛ فهي تعمل ضمن منظومة تشريعية ونقدية ورقابية، وتحتاج إلى حماية أموال المودعين. لكن الاستقرار المصرفي لا ينبغي أن يتحول إلى جمود مالي.

البنك المركزي الأردني نفسه يضع ضمن استراتيجية الاشتمال المالي توسيع الوصول إلى التمويل وتطوير المنتجات المالية، ويستهدف رفع الاشتمال المالي إلى 65% بنهاية 2028. إذن التحدي لم يعد فقط "كيف نحافظ على سلامة البنوك؟"، بل أصبح: كيف نحافظ على سلامتها ونستخدم قوتها المالية في الوقت نفسه لتسريع النمو؟

لماذا لا نصنع "منتجات استثمارية أردنية"؟

الأردن يملك مدخرات، وبنوكا، وشركات تأمين، وصناديق تقاعد، وأراضي، وعقارات، ومشاريع، وخبرات بشرية. لكن أين المنتجات المالية التي تجمع هذه العناصر في أدوات استثمارية قابلة للتداول والتمويل؟

لماذا لا نرى، بصورة أوسع بكثير مما هو قائم اليوم:

  • صناديق استثمارية  لتمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة والمشاريع الصناعية.
  • أدوات استثمارية  لتمويل الصادرات والبنية التحتية والطاقة والمياه.
  • صناديق للاستثمار في التكنولوجيا وسلاسل التوريد.
  • منتجات لتخصيم الفواتير ومنصات تمويل جماعي منظمة .
  • وأداة غالبا ما تُهمل في النقاش الأردني: توريق الأصول والذمم المدرة للدخل.

فالتوريق يعني أن يأخذ البنك محفظة من الذمم المستقبلية الثابتة نسبيا - كإيجارات عقارية طويلة الأجل، أو فواتير مستحقة لشركات موثوقة، أو تدفقات نقدية من مشروع بنية تحتية مشغّل - ويحوّلها إلى أداة استثمارية قابلة للبيع لمستثمرين آخرين، فيستعيد البنك سيولته فورا بدل انتظار سنوات السداد، ويحصل المستثمر على أداة دخل واضحة المخاطر. هذه ليست حيلة مالية؛ إنها الطريقة التي تحوّل بها الاقتصادات الحديثة الأصول "الساكنة" إلى رأس مال "متحرك" من جديد.

والأهم: لماذا لا يتحول البنك من مجرد مقرض للمشروع إلى شريك في بناء منظومة تمويله؟ البنك المركزي بدأ بالفعل بفتح الباب أمام نماذج جديدة، إذ نظم في 2026 نشاط التمويل الجماعي القائم على الإقراض. لكن المطلوب أن تنتقل هذه الأدوات من تشريعات متاحة إلى سوق مالية حقيقية تستخدمها البنوك والمؤسسات الاستثمارية على نطاق واسع ومدروس.

من "القرض" إلى "منظومة التمويل"

الشركة الأردنية لا تحتاج دائما إلى قرض. قد تكون لديها فواتير مستحقة على شركات قوية - هنا يأتي التخصيم. وقد يكون لديها عقد إيجار طويل الأجل أو تدفق دخل ثابت من مشروع قائم لكنها بحاجة إلى سيولة فورية - هنا يأتي التوريق، الذي يحوّل تلك التدفقات المستقبلية إلى نقد اليوم دون أن تتحمل الشركة قرضا إضافيا على ميزانيتها. وقد تحتاج إلى تمويل رأس مال عامل مرتبط بأوامر شراء - هنا يأتي تمويل سلسلة التوريد.

وهذه الأدوات ليست ترفا ماليا؛ إنها آليات لتوزيع المخاطر بين البنك والمستثمر والشركة، بدلا من تحميل الشركة وحدها عبء الدين. والإطار التنظيمي الأردني لشركات التمويل يعترف أصلا بأنشطة كالتخصيم والتمويل الجماعي، بما يفتح الباب أمام تطوير أطر مماثلة للتوريق كأداة رئيسية لا هامشية.

المشكلة الأخطر: المال المحبوس

الاقتصاد لا يموت دائما بسبب نقص الأموال؛ أحيانا يموت بسبب أموال لا تتحرك. قد توجد ودائع دون منتجات استثمارية كافية، وأصول دون تمويل، وشركات لديها فواتير أو عقود لا تستطيع تحويلها إلى سيولة، ومستثمر يريد الاستثمار لكنه لا يجد منتجا مؤسسيا واضحا.

هنا يجب أن يتحول البنك إلى حلقة وصل بين السيولة والفرصة. فكل دينار يبقى ساكنا هو فرصة ضائعة، وكل دينار يدخل في مشروع إنتاجي ناجح يولّد دخلا ووظيفة وضريبة وصادرات، ثم يعود إلى النظام المالي من جديد. هذه هي دورة رأس المال التي يحتاج الأردن إلى تسريعها.

التحصيل: من عقلية المطالبة إلى هندسة الاسترداد

التحصيل الحديث ليس إرسال إنذار أو اللجوء إلى القضاء؛ إنه صناعة مالية متكاملة قائمة على تحليل قدرة العميل، وإعادة هيكلة التدفقات النقدية، والتنبؤ بالتعثر قبل وقوعه. فإذا تعثر صاحب مشروع منتج وخرج تماما من النشاط الاقتصادي بسبب آليات تحصيل غير مرنة، يسترد البنك جزءا من حقه، لكن الاقتصاد يخسر المشروع والدخل والوظائف والقدرة المستقبلية على السداد.

لذلك يجب الانتقال من Debt Collection إلى Debt Recovery & Business Rehabilitation - من تحصيل الدين إلى استرداد القيمة الاقتصادية. وحبس المدين ليس بديلا عن منتج مالي؛ فالاتجاه التشريعي الأردني الحديث يسير أصلا نحو توازن أكبر بين الدائن والمدين، بعد دخول تعديلات على قانون التنفيذ حيّز النفاذ في 2026 لتقليص مدد الإجراءات مع حفظ حق الدائن.

فإذا كان لدى البنك عميل متعثر يملك شركة، فإن استمرار الشركة - موظفين يعملون، ورواتب تُدفع، وضرائب تُسدد - غالبا أفضل من بيع الضمان. وهنا تتحول العلاقة من Bank vs. Debtor إلى Bank + Business Recovery.

البنوك تستطيع أن تكون محركا للاستثمار الأردني

الأردن لا يحتاج فقط إلى ضخ أموال حكومية؛ يحتاج إلى تفعيل الأموال الموجودة أصلا داخل النظام المالي، عبر منظومة جديدة على خمسة محاور: بنك الإقراض الذي يستمر في تمويل الأفراد والشركات، بنك الاستثمار الذي يصمم صناديق تمول قطاعات محددة، بنك المشاريع الذي يبني تمويلا مرتبطا بالتدفقات النقدية لا بالضمانات فقط، بنك إعادة الهيكلة الذي يتعامل مع المتعثرين بمنطق استعادة القيمة، وبنك البيانات الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي في تقييم المخاطر.

وهذا لا يعني إلغاء الحذر المصرفي، بل تطويره من حذر تجاه المخاطر إلى إدارة ذكية لها.

المطلوب ليس أن تقرض البنوك أكثر... بل أن تستثمر أذكى

ليس الهدف أن نقول للبنوك "افتحوا أبواب الإقراض بلا حدود" - هذا خطأ اقتصادي ومصرفي. المطلوب أن نقول: ابتكروا أدوات تسمح لرأس المال أن يصل إلى الاقتصاد الحقيقي بأقل مخاطرة وأعلى قيمة مضافة ممكنة.

فالفرق كبير بين مليار دينار يذهب إلى الاستهلاك، ومليار دينار يذهب إلى مصنع أو شركة تصدير أو مشروع طاقة. الأول يخلق طلبا مؤقتا؛ الثاني يخلق قدرة إنتاجية مستدامة.

الأردن يحتاج "صفقة مالية جديدة"

المطلوب اليوم ليس مواجهة البنوك، بل عقد شراكة وطنية جديدة بين الحكومة والبنك المركزي والبنوك وشركات الاستثمار وصناديق التقاعد والقطاع الخاص، عنوانها: كيف نحوّل السيولة الموجودة في النظام المالي إلى رأس مال منتج؟

الحكومة تحدد القطاعات ذات الأولوية، والبنك المركزي يضع الأطر الرقابية التي تسمح بالابتكار دون المساس بالاستقرار، والبنوك تصمم المنتجات، وشركات الاستثمار تدير الصناديق، والقطاع الخاص يقدم المشاريع. وبذلك لا يصبح البنك مجرد ممول للاقتصاد، بل منصة لتعبئة رأس المال الوطني.

الخلاصة: من "حارس المال" إلى "صانع الفرصة"

البنوك الأردنية ليست مشكلة الاقتصاد الأردني، لكنها تستطيع أن تكون جزءا أكبر بكثير من الحل. فالقوة المالية التي تملكها، وخبرتها في إدارة المخاطر، وقاعدة عملائها، وبنيتها الرقمية، كلها أصول يمكن استخدامها لإعادة تصميم العلاقة بين المال والاقتصاد.

الأردن لا يحتاج فقط إلى موازنة أفضل، ولا إلى إنفاق حكومي أكبر، ولا إلى قروض جديدة. الأردن يحتاج إلى دورة رأسمال جديدة: دورة تجعل الوديعة تتحول إلى استثمار، والاستثمار إلى مشروع، والمشروع إلى وظيفة، والوظيفة إلى دخل، والدخل يعود إلى البنك والسوق، ثم يبدأ المال بالدوران من جديد.

والسؤال الوطني الكبير: هل نريد بنوكا تحافظ على الأموال فقط، أم نريد بنوكا تصنع من الأموال مستقبلا اقتصاديا للأردن؟

إن إنعاش الاقتصاد الأردني لن يتحقق بضخ المال فقط، بل بجعل المال يتحرك. وهنا تبدأ المهمة الحقيقية للبنوك الأردنية.

 

محمد الحوامدة

 

 

 

مواضيع قد تعجبك