*
الاربعاء: 09 أيلول 2026
  • 09 أيلول 2026
  • 16:01
 جرش الحديثة  عودة الحياة 1878  1946
الكاتب: رفاد العياصرة

تخيل معي هذا المشهد..

سنة 1878. جرش لا وجود لها. لا شارع، لا بيت، لا مسجد. فقط تل تراب، وأعمدة رومانية مكسرة، وراعٍ يمر بغنمه فوق المسرح الجنوبي ويقول: هذه خربة الجن.

1100 سنة كاملة وجرش ميتة. ماتت بعد الزلزال، ودفنها العباسيون بالنسيان، وتركها العثمانيون 400 سنة مجرد اسم على خريطة قديمة.

ثم.. في لحظة واحدة.. عادت الحياة.

 1. هجرة الشركس وتأسيس جرش الحديثة فوق المدينة القديمة

سنة 1878، السلطان العثماني عبد الحميد الثاني كان عنده مشكلة كبيرة.

الروس ذبحوا الشركس في القوقاز، فهرب مئات الآلاف منهم. السلطان قال: أين أسكنهم؟ قرر أن يسكنهم في الأطراف الفارغة من إمبراطوريته، في عمان وجرش ووادي السير.

في ذلك العام، نزل 100 عائلة شركسية على تلال جرش.

ماذا وجدوا؟ آثاراً عظيمة، ونبعاً قوياً، وسهول قمح.

ماذا فعلوا؟ فعلوا أذكى حركة في تاريخ جرش.

لم يبنوا بيوتهم بعيداً عن الآثار، بل بنوها فوق المدينة القديمة نفسها. أخذوا الحجارة الرومانية المنحوتة الجاهزة، وبنوا بها بيوتهم ومساجدهم ومدارسهم.

لهذا السبب، إلى اليوم إذا مشيت في جرش القديمة، ترى حجراً رومانياً فيه نقش لاتيني، فوقه حجر شركسي، فوقه صحن ستالايت. ثلاث حضارات فوق بعض!

الشركس لم يأتوا ليصبحوا أردنيين فقط، هم من أعادوا تأسيس جرش. هم من أعادوا اسم جرش إلى الخريطة بعد 1100 سنة من الموت. قبلهم كانت خربة، بعدهم صارت قرية اسمها جرش فيها 300 بيت.

ولولا هجرتهم، لبقيت جرش مدفونة إلى اليوم.

هذه هي الحقيقة التي يخجل البعض من قولها: جرش الحديثة أسسها مهاجرون هاربون من الموت، وليس أهلها الأصليون. لأن أهلها الأصليين كانوا قد ماتوا منذ ألف سنة.

#### 2. جرش في عهد الإمارة والانتداب

ثم جاء عام 1921، جاء الأمير عبد الله إلى عمان وأسس الإمارة.

ماذا كانت جرش وقتها؟ كانت قرية شركسية صغيرة، فيها مختار يعينه الوالي العثماني في السلط.

في عهد الإمارة، الإنجليز نظروا إلى جرش نظرة مختلفة. الإنجليزي لا يفكر بالعشيرة، يفكر بالسياحة والآثار.

فقالوا: هذه جرش يجب أن تكون متحفاً مفتوحاً.

ففتحوا أول طريق مزفت من عمان إلى جرش سنة 1924، وجعلوا جرش قضاء، وعينوا فيها مديراً، وبنوا فيها أول مدرسة حكومية.

لكنهم أيضاً ارتكبوا خطيئة لا تغتفر: جعلوا جرش مجرد "منطقة آثار" يأتي إليها السياح ساعتين ثم يعودون إلى عمان.

منذ عهد الانتداب زرعوا فينا هذه الفكرة القاتلة: جرش ليست مدينة تعيش، جرش هي مدينة يزورها الناس.

وهذه الفكرة ما زالت تقتلنا إلى اليوم.

#### 3. التنقيب الأول: البعثات الأجنبية ودائرة الآثار

سنة 1928، بدأت أول بعثة أجنبية تنقب في جرش.

جاء الألماني، ثم الأمريكي، ثم الإنجليزي. ومعهم جاءت دائرة الآثار الأردنية الفتية.

ماذا وجدوا؟ وجدوا مدينة كاملة تحت التراب. شوارع، معابد، كنائس، مسارح، حمامات.

بدأوا يكشفونها حجراً حجراً. وكلما كشفوا شارعاً جديداً، هدموا بيتاً شركسياً فوقه.

هنا بدأت المأساة الثانية لجرش.

الشركسي بنى بيته فوق الروماني ليسترزق، والآثاري هدم بيت الشركسي ليكشف الروماني.

جرش أصبحت مدينة نزاع بين ميت عمره 2000 سنة، وحي عمره 50 سنة. ونحن إلى اليوم لم نحل هذا النزاع.

دائرة الآثار قالت: الآثار أهم من البيوت.
وأهل البلدة قالوا: بيوتنا أهم من الحجارة.

والنتيجة؟ لا حافظنا على بيوتنا القديمة، ولا استفدنا من آثارنا كما يجب.

الخلاصة:

من 1878 إلى 1946، عادت جرش من الموت. من خربة جن إلى قرية شركسية إلى قضاء أردني.

لكنها عادت بروح عثمانية قديمة: قرية صغيرة، تابعة لعمان، تعيش على ما يأتيها من فوق، وليس على ما تصنعه بيدها.

وهذه الروح العثمانية ما زالت تحكمنا إلى اليوم. نحن ما زلنا ننتظر فرماناً من الباب العالي في عمان لكي نبني مصنعاً أو نفتح فندقاً.

جرش الحديثة لن تبدأ إلا عندما ننتهي من عهد 1878.

عندما لا نعود قرية شركسية صغيرة تعيش فوق آثار، بل مدينة أردنية كبيرة تعيش بجانب الآثار وتستفيد منها.

مواضيع قد تعجبك