*
الاثنين: 07 أيلول 2026
  • 07 أيلول 2026
  • 21:06
حقول التوجيهي كيف حوّل الأردن نفسه إلى شبه جزيرة تعليمية
الكاتب: معاذ مبيضين

عندما أُعلن عن نظام الحقول الجديد للثانوية العامة، قدم بوصفه إصلاحاً بنيوياً يواكب التخصص الحديث، ويخفف عبء المواد غير ذات الصلة عن الطالب، ويمنحه مساراً أكثر وضوحاً نحو تخصصه الجامعي. غير أن هذا التبرير، على معقوليته الظاهرية، يخفي مفارقة أعمق: فبقدر ما ضيّق النظام تركيز الطالب داخل حدوده، بقدر ما وسع المسافة بينه وبين المنظومة المعرفية الدولية التي سيضطر، عاجلاً أم آجلاً، إلى التعامل معها. فحقل الصحة يخرج طلاباً لم يمتحنوا بالرياضيات أو الفيزياء بالعمق المطلوب لتخصصات كالطب، وحقل الشريعة والقانون يخرج طلاباً لم يتزودوا باللغة الإنجليزية بالمستوى الذي يتيح فهم القانون الدولي أو التحكيم التجاري أو قوانين النقل البحري. والنتيجة أن الأردن، من خلال تصميمه التعليمي الجديد، لم يقصر الطريق أمام طلابه فحسب، بل حصرهم داخل حدوده، وحول نظامه التعليمي إلى شبه جزيرة معزولة عن محيطها الأكاديمي والمهني العالمي.

النظام السابق، بعيوبه المعروفة، كان يفترض حداً أدنى مشتركاً من المعرفة العلمية واللغوية لجميع الطلاب، بصرف النظر عن مسارهم اللاحق. وحين قررت وزارة التربية والتعليم الانتقال إلى نظام الحقول، كان الهدف المعلن هو مواءمة المحتوى مع التخصص المستقبلي بدقة أكبر. لكن الواضح أن هذا التحول لم يُصمَّم على أساس فهم عميق لما تتطلبه التخصصات المعنية في سياقها الدولي، بل على أساس منطق محلي ضيق يقيس الكفاية بمعيار الحاجة داخل السوق الأردني وحده. وهنا يكمن جوهر الخلل: فحين يصمم منهج وطني دون استحضار المعايير التي تحكم الاعتراف الأكاديمي والمهني خارج الحدود، فإن الإصلاح يتحول من أداة تمكين إلى أداة عزل، وإن بدا في ظاهره أكثر تخصصاً وكفاءة.

لا تخفى المفارقة في أن طالباً يطمح لدراسة الطب أو طب الأسنان أو الصيدلة، وقد أُعفي من الرياضيات والفيزياء بالمستوى الذي كان مطلوباً سابقاً، يجد نفسه مؤهلاً للقبول في الجامعات الأردنية، لكنه غير مؤهل للتقدم لأي برنامج طبي في جامعة خارج الأردن تشترط هاتين المادتين كحد أدنى للقبول. وهذا لا يعني أن الرياضيات والفيزياء جزء جوهري من الممارسة الطبية اليومية بالضرورة، بل يعني أن غيابهما من السجل الأكاديمي يغلق الباب أمام أي مسار دولي، سواء للدراسة أو للاعتراف اللاحق بالشهادة. بعبارة أخرى، لم يقيَّم الطالب بمعيار كفايته العلمية فحسب، بل بمعيار قابلية شهادته للتنقل عبر الحدود، وهي قابلية ألغيت من الأساس بقرار تصميمي لم ينظر لهذا البعد.

الأمر ذاته، وإن اختلفت تفاصيله، ينسحب على حقل الشريعة والقانون. فالطالب الذي يلتحق بهذا الحقل دون أن يحصل على تأسيس لغوي إنجليزي كاف، يجد نفسه بعد سنوات أمام نصوص القانون الدولي، ومواثيق التحكيم التجاري، واتفاقيات النقل البحري، وجميعها مكتوبة أصلاً بلغة لا يملك مفاتيحها. وليس المقصود هنا أن يُدرَّس القانون بالإنجليزية بدلاً من العربية، بل أن يُدرَّس الطالب بما يمكّنه من التعامل مع مصادره الأصلية حين يحتاج إليها، فالقانون الدولي ليس حقلاً معرفياً منغلقاً على ذاته، بل شبكة من النصوص والسوابق والاتفاقيات التي تصاغ وتناقش وتعدل في الغالب بلغة غير العربية. وحين يتخرج قانوني لا يملك هذه الأداة، فإنه يتخرج، من الناحية العملية، ليعمل داخل الحدود الوطنية فقط، لا لأنه أقل كفاءة، بل لأنه أُعد لسوق أضيق من طبيعة التخصص نفسه.

ما يجمع بين الحالتين، الصحية والقانونية، ليس تفصيلاً تقنياً عابراً، بل منطق تصميمي واحد يعامل التعليم الثانوي كغاية محلية مكتفية بذاتها، لا كنقطة انطلاق نحو منظومة معرفية أوسع. فحين يُصاغ منهج دون استحضار معايير القبول الدولية، أو متطلبات الاعتراف المتبادل بالشهادات، أو طبيعة المصادر الأصلية للتخصصات المعنية، فإن النتيجة الحتمية هي إنتاج طالب مؤهل للنظام الذي صمم من أجله فقط. وهذه ليست مسألة موارد أو قدرة، بل مسألة حوكمة: من صاغ هذا النظام؟ وبأي معايير قِيست جودته؟ وهل استحضر فيه رأي الجهات التي تتعامل مع مخرجاته لاحقاً، من كليات الطب إلى نقابات المحامين إلى الجامعات الشريكة في الخارج؟، غياب هذا الاستحضار هو ما يحول قراراً تعليمياً محلياً إلى قرار جيوسياسي غير مقصود، إذ يرسم حدوداً معرفية للأردن أضيق من حدوده الجغرافية.

هذا لا يعني أن كل طالب يجب أن يُجهز لمغادرة الأردن، فالغالبية العظمى ستكمل مسارها الأكاديمي والمهني داخل الوطن، وهذا حق مشروع لا ينتقص من قيمته أحد. لكن جودة التعليم لا تقاس بقدرته على تلبية الحاجة المحلية فقط، بل بقدرته على أن يبقي الباب مفتوحاً لمن يريد أو يحتاج إلى تجاوز هذا الإطار، سواء لدراسة تخصص نادر، أو لعمل مؤقت في الخارج، أو لمجرد أن يمتلك الخيار. وحين يصمم نظام يُغلق هذا الباب سلفاً أمام آلاف الطلاب دون علمهم، فإن الإصلاح يتحول من توسيع للفرص إلى تضييق لها، وإن جاء بلغة التخصص والتحديث.

في نهاية المطاف، لا يبدو أن المشكلة في فكرة الحقول بذاتها، فالتخصص المبكر ممارسة معروفة في أنظمة تعليمية متقدمة. والمشكلة في أن هذا التخصص جاء منقطعاً عن سؤال أساسي: ما هي المعايير التي يجب أن تبقى ثابتة، بصرف النظر عن الحقل، لضمان أن الشهادة الأردنية تبقى عابرة للحدود؟ فالطالب لا يختبر فقط أمام سوق العمل المحلي، بل أمام عالم لا يعرف حدود الحقول الأردنية، ولا يعترف إلا بما يوافق معاييره. وإلى أن يعاد النظر في هذا السؤال، سيبقى الأردن، بحسن نية إصلاحية، يبني لنفسه حدوداً معرفية جديدة، أضيق من تلك التي كان يشكو منها أصلاً.

مواضيع قد تعجبك