بقلم: عماد داود
في التاسع عشر من تشرين الأول تغلق مناقصة تدفع جغرافيا كاملة خطوة جديدة نحو الواقع. 1,234 وحدة استيطانية شرق القدس تجد طريقها إلى المقاولين قبل أن يجد الناخب الإسرائيلي صندوق اقتراعه بأسبوع كامل، فيما تمثل هذه الوحدات جزءا من نحو 3,400 وحدة مخططة في منطقة E1. هذا تزامن سياسي شديد الدلالة: العمران يسبق السياسة بأسبوع كامل.
المشروع يحمل اسما تقنيا باردا يخفي حجم ما يفعله فعليا. فهو يقع في المنطقة التي يمكن أن يؤدي تطويرها إلى قطع التواصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها وتعقيد الاتصال بين القدس الشرقية ومحيطها الفلسطيني، بما يوجه ضربة قاسية إلى فكرة الدولة الفلسطينية المتصلة جغرافيا.
هنا تصبح المسألة أكبر من عدد وحدات سكنية. فالمناقصة لا تشتري بيوتا فقط. إنها تشتري وقتا. والمفارقة أن هذا الوقت يجري شراؤه قبل أسبوع واحد من الانتخابات. فالسياسة قد تتغير في صندوق الاقتراع، أما الإسمنت فإذا بدأ فسيترك واقعا جديدا على الأرض، وسيصبح على أي حكومة مقبلة أن تتعامل معه بدلا من أن تتعامل مع خريطة كانت لا تزال قابلة للتغيير. وهذا تحديدا ما يجعل الجملة الأهم في القصة كلها بسيطة إلى حد القسوة: المناقصات لا تنتظر نتائج صناديق الاقتراع.
وبينما يتسابق الإسمنت مع الوقت، يقترب أيضا موعد سياسي قد يبدل اسم من يوقع القرارات القادمة دون أن يبدل بالضرورة ما أنجز على الأرض فعلا. غادي إيزنكوت، رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق، أصبح أحد أبرز المنافسين لبنيامين نتنياهو في السباق المقبل. وفي استطلاع للقناة 12 في آب، تصدر حزبه يشر بـ24 مقعدا مقابل 22 لليكود، كما أظهرت استطلاعات أخرى تقدمه على نتنياهو في سؤال الملاءمة لرئاسة الحكومة. من السذاجة توقع أن رجلا خرج من رحم المؤسسة الأمنية سيحمل في جيبه مشروع سلام جاهزا. ومن السذاجة بالقدر نفسه افتراض أن تغيير الاسم سيعني تلقائيا استمرار السياسة نفسها بكل تفاصيلها. إيزنكوت ليس وعدا بالسلام. لكنه قد يكون، في حال وصل إلى مركز القرار، محاورا مختلفا في طريقة تعريفه للخطر الإسرائيلي.
وهنا تحديدا يجب أن يبدأ التفكير الأردني. ليس المطلوب انتظار من يأتي إلى الحكم. المطلوب أن يعرف من يأتي إلى الحكم أن أمن إسرائيل نفسه لا يمكن فصله عن استقرار الأردن، وأن استقرار الأردن لا يمكن فصله عن مستقبل القضية الفلسطينية، وأن تحويل الضفة إلى جزر جغرافية منفصلة لن ينتج أمنا دائما بقدر ما ينتج أزمة مؤجلة.
وفي قلب أي طاولة مقبلة خط أحمر واحد يختصر التفاصيل: منع التهجير الجماعي، لأن أي تهجير واسع يمس الأمن الأردني مباشرة، ويضع معاهدة السلام نفسها أمام اختبار مختلف تماما، متجاوزا حدود أي أزمة إنسانية عابرة. وتحت هذا الخط نتيجتان واضحتان: كل تفكك في مؤسسات الحكم الذاتي الفلسطيني يفتح فراغا يمكن أن تملأه المستوطنات ميدانيا من دون الحاجة إلى إعلان ضم جديد، وكل تنسيق أمني إقليمي يفقد جزءا من معناه السياسي إذا لم يرافقه أفق سياسي حقيقي يلمسه الناس على الأرض، لا في بيانات القمم وحدها.
والأهم أن الأردن لا يبدأ من الصفر. لديه أوراق موقعة بالفعل. الأولى ورقة القانون الدولي: ففي رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز 2024، خلصت محكمة العدل الدولية إلى أن نقل المستوطنين الإسرائيليين إلى الضفة الغربية والقدس الشرقية مخالف للمادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة، وأن سياسات وممارسات إسرائيل أدت أيضا إلى أوضاع تخالف حظر النقل القسري للفلسطينيين، كما خلصت إلى عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ودعت إلى وقف النشاط الاستيطاني الجديد. هذه ليست ورقة خطابية، إنها ورقة قانونية ترفع أي تهجير قسري من مستوى الخلاف السياسي إلى مستوى المسؤولية القانونية الدولية.
ثم تأتي الورقة التي يحملها الأردن داخل معاهدة السلام نفسها. فالمادة الخامسة والعشرون من معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية تنص بوضوح على بقاء حقوق كل من الطرفين وواجباته تجاه المنظومة الأممية كما هي، من دون أن تمسها المعاهدة بأي شكل. وهنا المفارقة التي تستحق أن تقال بصوت مرتفع: الورقة التي يخاف البعض أن يتحدث الأردن باسمها هي نفسها التي تمنحه حق الكلام! السلام لا يعني الصمت، والمعاهدة لا تلغي القانون الدولي، فقد أبقت الباب مفتوحا أمام حقوق والتزامات الطرفين في إطار ميثاق الأمم المتحدة.
ثم هناك ورقة ثالثة أكثر حساسية. الدور الهاشمي في المقدسات الإسلامية في القدس ليس تفصيلا بروتوكوليا، فالمادة التاسعة من معاهدة السلام تنص على احترام إسرائيل للدور الخاص للمملكة الأردنية الهاشمية في المقدسات الإسلامية في القدس، وعلى إعطاء هذا الدور أولوية في مفاوضات الوضع الدائم. لذلك فإن أي مساس بهذا الدور لا يمكن اختزاله في خلاف دبلوماسي عابر، إنه يمس ركنا من أركان الحضور الأردني في ملف القدس نفسه.
ثم ظهرت ورقة رابعة على الطاولة. في 21 آب، رفض وزراء خارجية ثماني دول، بينها الأردن ومصر والسعودية والإمارات وقطر وتركيا وإندونيسيا وباكستان، مخطط E1 والأنشطة الاستيطانية المرتبطة به، وحذروا من الإجراءات التي تغير الطابع الجغرافي والديموغرافي للأرض الفلسطينية المحتلة. ثماني عواصم في وثيقة واحدة، وهذا يعني أن القضية تجاوزت حدود ملف ثنائي بين عمان وتل أبيب، لتصبح جزءا من سؤال إقليمي أوسع عن شكل المنطقة بعد الحرب، وعن حدود الأمن الذي يمكن بناؤه فوق جغرافيا يجري تغييرها بالقوة.
لكن في هذه الورقة نقطة ضعف أيضا، فهي تستند، ضمن ما تستحضره، إلى آليات سياسية مستقبلية مرتبطة بترتيبات أمريكية مقترحة، أما معاهدة الأردن ورأي محكمة العدل الدولية والنصوص الدولية القائمة فهي أوراق موجودة الآن. وهنا يظهر الفرق بين الوعد والورقة: الوعد يحتاج إلى من ينفذه، أما الورقة الموقعة فتظل قائمة حتى يتغير أصحاب التوقيع.
ويبقى الطرف الفلسطيني أمام سؤاله الأصعب: ماذا يفعل حين يبدأ تقطيع الأرض قطعة بعد أخرى؟ لا يستطيع الأردن أن يكتب وحده فصلا يخص أرضا وشعبا فلسطينيين، لكنه يستطيع أن يقول إن الفراغ السياسي الفلسطيني ليس تفصيلا يمكن تركه إلى أجل غير مسمى، لأن الفراغ على الأرض لا يبقى فراغا طويلا. هناك من يملؤه. وهناك أيضا سؤال أوسلو الذي لا يزال معلقا فوق المشهد: ما الذي يبقى من معنى الحكم الذاتي إذا استمرت الأرض التي يفترض أن يتحرك فوقها في الانكماش؟ هذه ليست دعوة إلى خطوة فلسطينية بعينها، إنها دعوة إلى عدم السماح للفراغ بأن يتحول إلى سياسة.
وحين يغلق باب المناقصة في التاسع عشر من تشرين الأول، قد يهتم كثيرون بعدد الوحدات التي أصبحت أقرب إلى البناء أكثر من اهتمامهم باسم الحزب الذي سيفوز بعد أسبوع. وهنا يصبح السؤال الحقيقي مختلفا: ماذا سيكون قد ثبت على الأرض في التاسع عشر من تشرين الأول، قبل أن يعرف أحد اسم الفائز في السابع والعشرين منه. فالمناقصات لا تنتظر نتائج صناديق الاقتراع، والقانون الدولي يعطي الدول التي تتمسك به سندا للمطالبة بوقف تغيير الوقائع.
والأردن لا يدخل هذا السباق خالي الوفاض. لديه معاهدة، ولديه قانون، ولديه دور هاشمي في القدس، ولديه موقف إقليمي موثق. ويبقى السؤال الوحيد الذي لا تستطيع كل هذه الأوراق الإجابة عنه نيابة عن أصحاب القرار: متى تستخدم الورقة؟ فالخريطة لا تكتمل دائما بمن يرسمها. أحيانا تكتمل بمن كان يستطيع أن يوقف رسمها ولم يفعل.
[email protected]
https://emad-dawoud.netlify.app/



