*
الاثنين: 07 أيلول 2026
  • 07 أيلول 2026
  • 16:08
السر الذي لم يقله أبي
الكاتب: عرار الشلول

خبرني - كنت في الثامنة عندما سألت والدي، حفظه الله وأطال في عمره، ماذا تعمل؟ قال لي: "بالدوام". أخذت الكلمة كما هي وصرت أجيب معلمات المدرسة عندما يسألن عن وظيفة أبي بأنه يعمل بالدوام. كنت أظنها مهنة مثل الطب أو التعليم. بعد سنوات قليلة أدركت أن الدوام ليس وظيفة بل يعني أنه في العمل. عدت إليه بالسؤال نفسه فأعطاني إجابة أخرى: تاجر خضار في الحسبة.. صدقتها أيضا لفترة.
لم أكن أرى والدي كثيرا في صغري. كان ينتزع لنا ساعة أو ساعتين بين الرابعة والسادسة مساء ثم يعود إلى عمله. وقد يتأخر إلى الليل أو تمتد مهامه لأيام. وكان ذلك في زمن لم يكن فيه للتواصل سوى الهاتف الأرضي. ثلاثون عاما قضاها ضابطا في أحد الأجهزة الأمنية ومع ذلك لم أعرف المناصب التي شغلها ولا الملفات التي تابعها، وحتى اليوم بقي كثير من تفاصيل عمله بعيدا عنا.
أتذكر ذلك وأنا أرى كيف تغيرت علاقتنا بالمعلومة.. خلال يوم واحد شاهدت عدة تهاني منشورة لضباط حصلوا على ترقيات أو تسلموا مواقع جديدة. الاسم والرتبة والمنصب والصورة وأحيانا اسم الوحدة أو طبيعة الموقع. وفي التوقيت نفسه طلبت القوات المسلحة الأردنية من المواقع والوكالات الإعلامية عدم نشر أو تداول أي معلومات تتعلق بالجيش ما لم تصدر رسميا عن القيادة العامة، وشددت تحديدا على التعيينات والإحالات على التقاعد. فإذا كانت المؤسسة نفسها تتحفظ على نشر هذه المعلومات، فلماذا نتعامل معها اجتماعيا كأنها أخبار مناسبات؟
المشكلة برأيي لا تكمن في التهنئة نفسها بل في حجم المعلومات التي ترافقها.. اسم الضابط ورتبته ومنصبه وصورته إذا جمعت مع ما تنشره الأسرة والأصدقاء قد تقدم صورة أوسع عن الشخص وعمله وعلاقاته. وهذا هو جوهر الاستخبارات مفتوحة المصدر. جمع ما ينشره الناس بأنفسهم وربطه ببعضه من دون حاجة إلى اختراق هاتف أو الوصول إلى ملف مغلق.
قد يلتزم العسكري بعدم النشر بينما تكشف عائلته بحسن نية ترقيته أو موقعه الجديد أو صور زملائه. ولهذا تضع جيوش مثل الأميركية والبريطانية تعليمات للعسكريين وأسرهم بشأن ما ينشر وما لا ينشر. وتشدد جيوش أخرى بينها الجيش الإسرائيلي القيود على إظهار هويات بعض الأفراد في المواقع الحساسة. والسؤال بسيط. لماذا نقدم طوعا معلومات تحرص مؤسسات عسكرية أخرى على حجبها؟
جزء من المشكلة اجتماعي أيضا، الترقية عندنا تتحول أحيانا إلى خبر عائلي والمنصب إلى وجاهة مع أن الموقع العسكري والأمني يفرض قدرا أكبر من الخصوصية، والمسؤولية هنا تبدأ من العسكري نفسه ثم تمتد إلى أسرته. 
في المقابل، نحتاج إلى تعليمات مؤسسية أوضح للسلوك الرقمي. كما يستحق الأمر نقاشا قانونيا حول تجريم نشر المعلومات العسكرية أو الأمنية الحساسة عندما يثبت أن نشرها يعرض أشخاصا أو عمليات أو مصالح أمنية للخطر. على أن يكون ذلك من دون المساس بالصحافة أو المعلومات الرسمية أو النقد المشروع.
كنت وما زلت فخورا بأبي لأنه أبي قبل كل شيء.. لا لأنني أعرف المناصب التي شغلها أو الملفات التي عمل عليها فأنا لا أعرف معظمها حتى اليوم. وربما لهذا أفهم الآن لماذا قال لي في طفولتي إنه يعمل بالدوام ثم اختار لاحقا قصة تاجر الخضار. لم يكن يتعمد صناعة الغموض حول نفسه، لكنه كان يعرف ببساطة أن بعض تفاصيل العمل مكانها العمل فقط.

مواضيع قد تعجبك