خبرني - لا تثير «فرح» سؤالًا تقنيًا بقدر ما تثير سؤالًا في صميم القانون الإداري: هل تستطيع الإدارة أن تنقل مسؤوليتها إلى الخوارزمية؟
مع إطلاق الحكومة الأردنية «فرح» بوصفها ناطقًا رقميًا حكوميًا قائمًا على الذكاء الاصطناعي، تدخل الإدارة العامة مرحلة جديدة في وسائل تواصلها مع المواطن. فالمسألة لم تعد مجرد استخدام تقنية حديثة لتقديم المعلومات، وإنما أصبحت تتصل بكيفية إسناد الآثار القانونية والمالية والاجتماعية التي قد تترتب على استخدام هذه التقنية في نشاط عام. وقد أعلنت وزارة الاتصال الحكومي أن «فرح» تأتي ضمن أدوات الاتصال الحكومي لتقديم المعلومات وشرح قرارات الحكومة والسياسات العامة بصورة مبسطة.
ومن هنا يبدأ السؤال القانوني الحقيقي: إذا قدّمت «فرح» معلومة غير صحيحة، واعتمد عليها أحد الأفراد اعتمادًا معقولًا، ثم ترتب على ذلك ضرر، فمن يتحمل المسؤولية؟
الإجابة لا ينبغي أن تبحث في «شخصية» النظام الذكي، لأن الخوارزمية ليست موظفًا عامًا ولا شخصًا قانونيًا مستقلًا، ولا تملك إرادة قانونية يمكن إسناد المسؤولية إليها. إنما يجب أن تعود المسألة إلى مصدر النشاط ذاته: الإدارة التي اختارت التقنية، وأدخلتها في أداء وظيفة عامة، وحددت مجال استخدامها، وأشرفت على تشغيلها.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين المسؤولية القائمة على الخطأ والمسؤولية دون خطأ.
فإذا كان الضرر ناشئًا عن خطأ يمكن نسبته إلى الإدارة، كإهمال تحديث البيانات، أو غياب الرقابة البشرية، أو عدم التحقق من المعلومات، أو سوء تصميم آليات المراجعة، فإن المسؤولية تجد أساسها في الخطأ الإداري وفق القواعد المعروفة.
لكن الصعوبة تبدأ عندما يقع الضرر من دون أن يكون بالإمكان إثبات خطأ محدد من جانب الإدارة. فقد يكون النظام قد صُمم وفق المعايير الفنية، وخضعت مخرجاته للرقابة المعتادة، ومع ذلك أنتج معلومة خاطئة بسبب طبيعة الذكاء الاصطناعي واحتمالات الخطأ الملازمة له.
هنا لا ينبغي أن يصبح التعذر التقني في تحديد «من أخطأ داخل الآلة» سببًا لإعفاء الإدارة من المسؤولية متى توافرت شروط المسؤولية الموضوعية. فالقانون الإداري لم يحصر المسؤولية دائمًا في الخطأ، وإنما عرف، في نطاقات محددة، مسؤولية الإدارة دون خطأ تأسيسًا على نظرية المخاطر وتحقيقًا لفكرة العدالة والمساواة أمام الأعباء العامة.
ومن ثم، فإن معيار المسؤولية دون خطأ في البيئة الرقمية ينبغي أن يكون واحدًا وواضحًا:
تحقق ضرر خاص وغير عادي بسبب خطر استثنائي ملازم لنشاط إداري مشروع، مع ثبوت رابطة السببية بين النشاط الإداري والضرر، دون اشتراط إثبات خطأ من جانب الإدارة.
وبهذا المعيار، لا تكون كل إجابة خاطئة صادرة عن نظام ذكي سببًا تلقائيًا للتعويض، كما لا يكون مجرد استخدام الذكاء الاصطناعي مصدرًا لمسؤولية موضوعية مطلقة. وإنما يتعين أن نكون أمام نشاط إداري مشروع أنشأ، بحكم طبيعته التقنية، خطرًا استثنائيًا، ثم تحقق هذا الخطر في صورة ضرر خاص وغير عادي، وثبتت العلاقة السببية بينهما.
وهذا التحديد مهم؛ لأنه يمنع تحول نظرية المخاطر إلى ضمان مطلق لكل أضرار التكنولوجيا، وفي الوقت ذاته يمنع تحول التعقيد الخوارزمي إلى حصانة للإدارة.
فالمواطن ليس مطالبًا، لكي يحصل على الحماية القانونية، بأن يدخل إلى البنية التقنية للنظام ويحدد أي خوارزمية أخطأت، أو أي نموذج لغوي أنتج المعلومة المضللة، أو أي مرحلة من مراحل المعالجة تسببت في الانحراف. هذه مسائل تقع، في الأصل، داخل المجال التقني الذي تسيطر عليه الإدارة أو الجهات التي تعاقدت معها. أما ما يهم القانون الإداري فهو تحديد النشاط الإداري، والضرر، والخطر، ورابطة السببية.
وتزداد المسألة حساسية عندما تصدر المعلومة عن أداة تحمل الصفة الحكومية. فصفة «الناطق الحكومي» تمنح الخطاب درجة من الموثوقية تختلف عن المعلومة الصادرة عن مصدر مجهول أو منصة خاصة. ولا يعني ذلك أن كل ما يصدر عنها ينشئ حقًا مكتسبًا أو يرتب تعويضًا بمجرد الاعتماد عليه، لكن الصفة الرسمية تظل عنصرًا مهمًا عند تقدير معقولية الاعتماد والظروف التي وقع فيها الضرر.
كما يجب التمييز بين المعلومة الحكومية ذات الطبيعة التفسيرية أو الاتصالية وبين القرار الإداري المنشئ لمركز قانوني. فليس كل خطاب صادر عن الإدارة قرارًا إداريًا، وليس كل خطأ في معلومة عامة يؤدي بذاته إلى قيام مسؤولية تعويضية. ولذلك يجب أن يظل التكييف القانوني لكل حالة مرتبطًا بمضمون المعلومة، وطبيعة النشاط، والآثار التي أحدثها، ومدى خصوصية الضرر واستثنائيته.
والأهم أن إدخال الذكاء الاصطناعي في المرفق العام لا يغيّر قواعد الإسناد القانوني. فالآلة قد تنتج المعلومة، لكنها لا تصبح بذلك صاحبة الاختصاص الإداري. والنظام الذكي قد يكون الوسيلة التي تمارس من خلالها الإدارة نشاطها، لكنه لا يحل محل الإدارة في تحمل النتائج القانونية لنشاط المرفق العام.
وهذه النقطة تحديدًا يجب أن تكون حاضرة في بناء العلاقة بين التكنولوجيا والقانون الإداري: لا يجوز أن يؤدي تعقيد الوسيلة إلى إضعاف الحماية القانونية للمتضرر.
ومن هنا تبرز ضرورة الرقابة البشرية، ليس باعتبارها إجراءً تقنيًا فحسب، وإنما باعتبارها جزءًا من متطلبات المشروعية وحسن سير المرفق العام. فكلما ازدادت قدرة النظام على التأثير في القرار أو المعلومة الحكومية، ازدادت الحاجة إلى توثيق مخرجاته، وإمكان مراجعتها، وتصحيحها، ومعرفة مصدر البيانات التي استند إليها، والاحتفاظ بالسجلات التي تسمح بتحديد ما حدث عند وقوع الضرر.
وقد أصبح هذا السؤال حاضرًا في البيئة القانونية الأردنية نفسها؛ إذ ناقش المعهد القضائي الأردني في ورشة متخصصة مسؤولية الأخطاء الناجمة عن الذكاء الاصطناعي وكيفية تحديد المسؤول عن الأضرار التي قد يحدثها النظام الذكي.
إن التحدي الحقيقي أمام القانون الإداري ليس أن يمنع الإدارة من استخدام الذكاء الاصطناعي، بل أن يضمن ألا تتحول التكنولوجيا إلى منطقة فراغ في المسؤولية.
فإذا كان استعمال التقنية يحقق كفاءة أكبر للمرفق العام، فإن العدالة تقتضي أن تتحمل الإدارة أيضًا المخاطر الاستثنائية التي قد تلازم هذا الاستخدام متى تحققت شروط المسؤولية دون خطأ. وهذه هي الوظيفة التي يمكن أن تؤديها نظرية المخاطر في مواجهة التطور التكنولوجي: أن تحافظ على التوازن بين مصلحة الإدارة في تحديث وسائلها ومصلحة الأفراد في ألا يتحملوا وحدهم نتائج مخاطر أنشأها نشاط عام مشروع.
لقد تغيرت طريقة تحدث الإدارة إلى المواطن؛ لكن ذلك لا يعني أن قواعد مسؤوليتها يجب أن تتغير بالقدر نفسه. فالذكاء الاصطناعي قد يغيّر وسيلة أداء الوظيفة العامة، لكنه لا يلغي الوظيفة العامة ولا يقطع رابطة المسؤولية عنها.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا منذ اللحظة الأولى لتشغيل «فرح» ليس فقط: ماذا تستطيع أن تقول؟ بل أيضًا: ماذا يحدث إذا قالت ما لا ينبغي أن تقول، ومن يتحمل قانونًا نتائج ذلك؟
الجواب لا يوجد داخل الخوارزمية، وإنما في القانون: حيث يوجد النشاط الإداري، توجد قواعد الإسناد والمسؤولية؛ وحيث يتحقق الخطر الاستثنائي المفضي إلى ضرر خاص وغير عادي، قد تقوم المسؤولية دون خطأ، متى ثبتت رابطة السببية وتوافرت شروطها.
وهكذا لا تكون «فرح» مجرد تجربة في الاتصال الحكومي الرقمي، بل اختبارًا مبكرًا لقدرة القانون الإداري على استيعاب عصر تتحدث فيه الإدارة بصوت خوارزمي، من دون أن تفقد مسؤوليتها القانونية عن هذا الصوت.
*المحامي الدكتور محمد حسين المجالي كلية الحقوق جامعة الزيتونة الأردنية



