*
الاحد: 30 أغسطس 2026
  • 30 أغسطس 2026
  • 13:20
عندما يرى الحشد الطائر  عنزة
الكاتب: مسيد المومني

في موروثنا الشعبي القديم، تُروى قصة عن رجلين تراهنا على رؤية كائن بعيد خلف التلال؛ أحدهما رآه «عنزة»، والآخر، الذي يتمتع بحدة البصر، رآه طائرًا. وخلال النقاش الدائر بينهما، طار الطائر، ومع أن الحقيقة صارت واضحة وجلية ولا مجال للتشكيك، إلا أن صاحبنا أصر على رأيه كِبرًا وعنادًا، وقال جملته الشهيرة التي ذهبت مثلًا: «أحكيلك عنزة لو طارت».

لا أراها نكتة، ولم تعد هذه القصة عبارة عن موروث شعبي، فنحن في منتصف مرحلة تتمحور حول مأساة فكرية، وكيل اتهامات للفكر الفردي المختلف. فإن كنت أو كنتِ مختلفًا – لا مخالفًا – والرأي الذي تتبناه يرتكز على حقائق دامغة وعقل حر يصر على أن ما يرونه طائرًا وليس عنزة، «فيا ويلك ويا سواد ليلك»، تحضّر لتواجه سيلًا عارمًا من الاتهامات الجاهزة والمعلّبة.

سيبدأ الحشد في لصق الصفات الطاردة بالمختلف؛ فهذا مدسوس، وذاك جاسوس، وثالث ضال أو ملحد. إرهاب فكري يهدف بالأساس إلى إرهاب العقول وإسكات الأصوات الحرة، حفاظًا على راحة الجموع.

لا ينبغي علينا الحكم المطلق، كما لا يسمح لأحد بتفكيك عقلية الطرف الآخر ونواياه وقدرته على التحليل والخروج بنتائج قد تصيب «كفرد»، حتى وإن خالف المنتشر والمتفق عليه من الجموع. فكلٌّ قد مرّ بمراحل حياتية صقلت خلالها فكره وشخصيته، وعلى أساسها أبدى رأيه. فلنتوقف عن إرهاب الفكر الفردي واحترام الاختلاف، حتى وإن لم يتوافق معنا.

متى ندرك أن الأفق لا يضيق برأي جديد، وأن العقول لا تزهر إلا بحرية التفكير؟

مواضيع قد تعجبك