أقدّم هذا الاقتراح في ظل غياب مؤشرات واضحة، حتى الآن، على وجود توجّه جاد نحو التطوير الهندسي أو الإدارة الفنية المتكاملة لهذه المشكلة التي تؤرّق سكان المدن الاردنية وعلى راسها عمان.
.
عندما تتفاقم الأزمة المرورية في عمّان، تتكرر اقتراحات من نوع: تأخير دوام الوزارات والبنوك وغيرها من المؤسسات، حتى لا يتقاطع مع دوام المدارس والجامعات، أو تقليص أسبوع العمل إلى أربعة أيام. تبدو هذه الحلول سهلة؛ لأنها لا تحتاج إلى إنشاء طرق أو تعديل تقاطعات، لكنها قد لا تخفف الازدحام، بل تنقله من ساعة إلى أخرى أو تزيد حدته في أوقات مختلفة.
فالازدحام لا ينتج من عدد المركبات فقط، وإنما من تزامن وصولها إلى الشوارع والتقاطعات نفسها. وعندما تكون الشبكة أصلًا قريبة من طاقتها الاستيعابية، فإن زيادة محدودة في عدد المركبات خلال فترة قصيرة قد تؤدي إلى زيادة كبيرة في الطوابير وزمن التأخير.
في الوضع الحالي يوجد نوع من التوزيع الطبيعي للحركة: الموظفون وطلبة المدارس يغادرون منازلهم مبكرًا، بينما يبدأ كثير من التجار وأصحاب المهن والمتاجر والخدمات الخاصة أعمالهم في التاسعة أو العاشرة أو الحادية عشرة. فإذا أُخِّر دوام الوزارات والبنوك وبعض الشركات إلى التاسعة أو العاشرة، فإننا لا نكون قد ألغينا رحلاتهم، بل جمعناها مع رحلات التجار وأصحاب الأعمال والمتسوقين والمراجعين. عندها قد تتحول ذروة الصباح من ذروة محددة إلى أزمة ممتدة من التاسعة حتى الظهر.
والأمر نفسه سيحدث في فترة العودة؛ فتأخير بداية الدوام يعني تأخير نهايته، وقد تندمج رحلات الموظفين مع الحركة التجارية والاجتماعية والمسائية، فتستمر ذروة ما بعد الظهر حتى الخامسة أو السادسة، وربما بعد ذلك. أي إننا قد ننجح في تخفيف الازدحام عند السابعة صباحًا، لكننا نصنع ازدحامًا أطول وأوسع خلال بقية اليوم.
أما تقليص الدوام إلى أربعة أيام، فقد يقلل نظريًا عدد رحلات العمل الأسبوعية، لكنه لا يضمن تخفيف الذروة اليومية. فالمعاملات والمراجعات والمشتريات التي كانت موزعة على خمسة أيام ستتركز في أربعة، وقد تطول ساعات العمل وترتفع كثافة الحركة في كل يوم منها. لذلك لا يجوز اعتماد هذا الخيار قبل قياس أثره على أحجام المرور وساعات الذروة والإنتاجية والخدمات.
وتزداد المشكلة في المساء دائمًا، حتى لو تم تطوير النقل العام الموجَّه؛ لأن السيارة تكاد تكون وسيلة ترفيه أساسية بسبب طبيعة عمّان نفسها، وبسبب طبيعة أرصفتها وافتقارها إلى مسارات مشاة آمنة ومهيأة؛ فالأرصفة فعليًا غير مترابطة في معظم مناطق عمّان، كما أن الحدائق والمتنزهات العامة ليست موزعة بعدالة وكفاية بين الأحياء. ولا تمتلك المدينة نهرًا أو بحرًا أو كورنيشًا يشكل فضاءً عامًا ممتدًا بسهولة. لذلك أصبحت السيارة، لدى شريحة واسعة من السكان، وسيلة العمل والتسوق والترفيه والزيارة في الوقت نفسه. وعندما تريد الأسرة الخروج، يكون السؤال غالبًا: إلى أين نذهب بالسيارة؟ لا: تعالوا نتمشى.
لهذا أقترح التفكير في حل مختلف يمكن تسميته:
( توزيع الرحلات بتوزيع يوم الراحة الأسبوعي الثاني على أيام الأسبوع الستة؛ أي ما عدا الجمعة )
حيث يظل يوم الجمعة عطلة مشتركة للجميع ، بينما يُوزَّع يوم الراحة الثاني الذي هو حاليا السبت بين القطاعات على أيام الأسبوع من السبت إلى الخميس. فتتعطل، على سبيل المثال، مجموعة محددة من الوزارات، مثلًا: الأشغال والبلديات ودائرة الأراضي، والهيئات وبعض الأنشطة الاقتصادية، مثل البنوك ومحلات الصرافة وغيرها، يوم السبت. وفي الأحد تتعطل مجموعة أخرى من الوزارات، مثل الزراعة والجمارك والنقل وغيرها، وشركات عامة، وكذلك نشاط آخر مختلف، مثل تجار الألبسة وغيرهم. وفي الاثنين مجموعة ثالثة، وهكذا، وفق برنامج ثابت ومدروس يراعي ترابط الخدمات والقطاعات.
وبذلك لا نخفض أسبوع العمل إلى أربعة أيام، ولا نؤخر الجميع إلى الساعة نفسها، بل نحافظ على خمسة أيام عمل لكل جهة، ونوزع الحركة على خمسة أيام بدلًا من تركيزها في أربعة أيام فقط، في حال تقليص أيام الدوام للجميع.
وللتوضيح الحسابي: إذا كان لدينا عدد من الموظفين يعمل كل واحد منهم خمسة أيام، فإن مجموع أيام العمل الأسبوعية يبقى كما هو. لكن توزيع هذه الأيام على ستة أيام تشغيلية يجعل متوسط الحضور اليومي النظري التقريبي نحو 83% من إجمالي العاملين بدل وجودهم جميعًا في الأيام التقليدية؛ أي خفض نظري يقارب 17% من رحلات العمل اليومية قبل احتساب العوامل الأخرى. ولن تتحول هذه النسبة كاملة إلى انخفاض مروري؛ لأن رحلات العمل ليست وحدها على الطريق، لكنها قد تكون كافية لإبعاد بعض الشوارع والتقاطعات عن حالة التشبع التي تصنع الطوابير الطويلة. (الحسابات أولية، وتحتاج إلى دراسة تفصيلية إذا تم العمل بالاقتراح... إذا كان هناك مَن يقرأ).
هذا التنظيم يمكن أن يوزع أيضًا رحلات التسوق لحاجات معينة، وكذلك يوزع المراجعات والترفيه على أيام قد تختلف عن أيام رحلات التسوق لحاجات من نوع آخر، لكن نجاحه يتطلب ألّا يتم توزيع القطاعات عشوائيًا؛ فلا يجوز تعطيل جهة بينما تعمل الجهات المرتبطة مباشرة بمعاملاتها بصورة تعطل مصالح الناس. المطلوب إعداد خريطة للعلاقات بين الوزارات والبنوك والقطاعات التجارية والخدمية، ثم تقسيمها إلى مجموعات متوازنة، مع استثناء خدمات الصحة والأمن والطوارئ والقطاعات التي تحتاج إلى عمل متواصل.
ولا أقترح تطبيق الفكرة بقرار مفاجئ، بل البدء بتجربة تمتد ثلاثة أشهر تشمل عددًا من الوزارات والهيئات والشركات الكبرى، بعد تسجيل الوضع المروري قبلها. ويُقاس نجاح التجربة من خلال زمن الرحلات، وطول الطوابير، ومدة الذروة، وسرعة الحافلات، وحجم الحركة يوم السبت، ورضا الموظفين والمراجعين، وتأثيرها في الأعمال والإنتاجية. فإذا أثبتت الأرقام نجاحها تُوَسَّع تدريجيًا، وإذا لم تنجح عُدِّلت أو أُوقفت.
هذا الحل لا يغني عن تطوير النقل العام، وتحسين الأرصفة، وتوزيع الخدمات والحدائق، ومعالجة التقاطعات وإنشاء الطرق الضرورية. لكنه يمثل أداة إدارية قابلة للاختبار يمكن تنفيذها بتكلفة محدودة، شرط أن تقوم على البيانات لا على الانطباعات.
يا سامعين الصوت . ..... عمّان لا تحتاج إلى قرار يجعل الجميع يتأخرون معًا، ولا إلى ضغط أعمال خمسة أيام في أربعة؛ فما دام لا يطهر بالافق اي حلول فنية لحل الازمة ....فانها تحتاج إلى إدارة تمنع الجميع من التحرك في الوقت نفسه. فالحل ليس نقل الأزمة من السابعة إلى العاشرة، بل توزيع الطلب على ساعات الأسبوع وأيامه بطريقة علمية ومدروسة.



