*
الاحد: 30 أغسطس 2026
  • 30 أغسطس 2026
  • 12:08
هل عمّان مدينةٌ صديقة للإنسان
الكاتب: الدكتور زيد احمد المحيسن

هل عمّان مدينة صديقة للإنسان؟ سؤال يبدو بسيطًا، لكنه حين نضعه أمام تفاصيل الحياة اليومية يصبح سؤالًا بحجم مدينة. والجواب، إذا أردنا أن نكون منصفين وصريحين في آنٍ واحد، هو: نعم، عمّان مدينة تحاول أن تكون صديقة للإنسان، لكنها لم تصبح كذلك بعد. ففيها ما يحبب الإنسان بها؛ ذاكرتها، ودفء أحيائها، وتنوع سكانها، وروحها الاجتماعية، وتلك العلاقة الخاصة التي تنشأ بين الإنسان والمكان، لكن المدينة ليست مشاعر وذكريات وحدها؛ إنها أيضًا شارع ورصيف وحديقة ومواصلات وخدمات وأمان وبيئة ومساحات عامة، وهي في هذه التفاصيل ما تزال بحاجة إلى الكثير من العمل.

فالمدينة الصديقة للإنسان ليست تلك التي تبدو جميلة من نافذة السيارة، وإنما تلك التي تكون جميلة وآمنة ومريحة عندما تمشي فيها. وهي ليست التي تفتح الطريق أمام المركبات فقط، بل التي تترك للطفل مكانًا يعبر فيه بأمان، وللشيخ رصيفًا يستطيع أن يمشي عليه دون خوف، وللشخص من ذوي الإعاقة طريقًا لا تتحول فيه الحواجز والأرصفة المرتفعة والسلالم إلى جدار يفصل بينه وبين مدينته، وللأم مساحة تستطيع فيها أن تسير بعربة طفلها، وللعائلة حديقة قريبة، وللجار مكانًا يلتقي فيه بجاره.

وهنا تبدو عمّان بحاجة إلى أن تعيد ترتيب أولوياتها. فقد أخذت السيارة مساحة واسعة من المدينة، وأخذ الإسفلت أحيانًا مكان الشجرة، وضاقت بعض الأرصفة أو انقطعت، وأصبحت بعض المساحات العامة أقل مما تحتاجه مدينة تتسع كل يوم. ولا تكمن المشكلة في وجود السيارات أو في العمران أو في الحداثة، وإنما في اختلال التوازن عندما يصبح الطريق مصممًا للمركبة قبل الإنسان، وعندما تصبح الشجرة تفصيلًا تجميليًا بدل أن تكون جزءًا من البنية الأساسية للحياة، وعندما تصبح الحديقة رفاهية بدل أن تكون حقًا حضريًا.

إن أنسنة عمّان لا تحتاج إلى معجزة، وإنما إلى تغيير في طريقة التفكير. نحتاج إلى أن نسأل قبل كل مشروع: ماذا سيضيف هذا للإنسان؟ وقبل أن نوسع شارعًا: أين سيمشي الناس؟ وقبل أن نقتلع شجرة: أين سيجد سكان الحي ظلًا بعد سنوات؟ وقبل أن نبني موقفًا للسيارات: أين سيلعب الأطفال؟ وقبل أن نخطط لحي جديد: كيف سيصل كبير السن وذو الإعاقة والطفل والمرأة إلى خدماته؟ تلك الأسئلة الصغيرة هي التي تصنع المدن الكبيرة.

والمدينة الصديقة للإنسان تبدأ من الحي؛ من شارع نظيف وآمن، ورصيف صالح للمشي، وإنارة جيدة، وأشجار حية، وحديقة قريبة، ومواصلات عامة محترمة، وخدمات لا تحتاج إلى رحلة طويلة للوصول إليها. وتبدأ كذلك من الاعتراف بأن كبار السن والأطفال وذوي الإعاقة ليسوا فئات تحتاج إلى عطف المدينة، بل مواطنون لهم الحق الكامل في استخدامها والعيش فيها بكرامة واستقلالية. كما أن المدينة الإنسانية لا تميز بين حي وآخر في مستوى العناية، ولا تجعل جودة المكان امتيازًا لمن يسكن في منطقة دون أخرى؛ فالعدالة الحضرية جزء من إنسانية المدينة.

وعمّان المستقبلية تستطيع أن تكون أكثر قربًا من الإنسان إذا انتقلت من فكرة «تجميل المدينة» إلى فكرة «تحسين الحياة في المدينة»؛ فليست القضية أن نضع المزيد من الحجر، بل أن نعيد للحجر وظيفته، وللشجرة مكانتها، وللرصيف كرامته، وللحديقة دورها، وللشارع روحه. نريد مدينة ذكية، نعم، ولكن ذكاءها الحقيقي أن تعرف أين يتعب الإنسان، وأين يتعثر، وأين يحتاج إلى ظل أو مقعد أو معبر أو خدمة. ونريد مدينة حديثة، ولكن حداثتها لا تقاس بعدد الأبراج، وإنما بقدرتها على توفير حياة أفضل لمن يسكنها.

ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله لعمّان هو أن ننظر إليها من مستوى الإنسان لا من علُوّ المخطط؛ أن نمشي في أحيائها بأقدامنا، وأن نراها بعين طفل، وبخطوة شيخ، وبكرسي شخص من ذوي الإعاقة، وبعين أم تحمل طفلها، وبعين مواطن لا يملك سيارة. عندها فقط سنكتشف المدينة التي لا تظهرها الخرائط.

إن عمّان ليست بعيدة عن أن تصبح مدينة صديقة للإنسان؛ لديها التاريخ، والناس، والطاقات، والخبرات، والقدرة على التغيير. لكنها تحتاج إلى قرار واضح بأن يكون الإنسان هو نقطة البداية ونقطة النهاية في التخطيط والإدارة والتنمية. فكل شارع لا يستطيع الطفل عبوره بأمان هو سؤال، وكل رصيف لا يستطيع الشيخ استخدامه هو سؤال، وكل شجرة تُقتلع بلا بديل هو سؤال، وكل حي يشعر أنه منسي هو سؤال، وكل شخص من ذوي الإعاقة يجد مدينته مغلقة أمامه هو سؤال أكبر.

وفي نهاية المطاف ، لا ينبغي أن نسأل فقط: كيف نريد أن تبدو عمّان؟ بل علينا أن نسأل: كيف نريد للإنسان أن يشعر وهو يعيش فيها؟ فإذا شعر بالأمان، والكرامة، والانتماء، والراحة، والمساواة، وكانت شوارعها تحتضنه بدل أن تطارده، وأشجارها تظله، وحدائقها تستقبله، وخدماتها تقترب منه، ووسائل نقلها تحترم وقته وإنسانيته، عندها فقط يمكن أن نقول إن عمّان لم تعد مدينة يسكنها الإنسان فحسب، بل أصبحت مدينة صُممت من أجل الإنسان. وتلك هي عمّان التي ينبغي أن نعمل من أجلها؛ لا عمّان الأكثر إسفلتًا وإسمنتًا، بل عمّان الأكثر إنسانية.

 

مواضيع قد تعجبك