البارحة قرأت مقالأ للصحافي اليهودي آرون ماغيد في فورين بوليسي، يبدو في ظاهره بحثًا عن إجابة، لكنه في جوهره تصيد من بعيد عبر جمع وقائع متفرقة ، ثم تركيبها في سردية واحدة عنوانها «غياب الملك» و«تراجع القيادة» تحت عنوان أين الملك عبد الله .
هذه ليست قراءة بريئة تمامًا، لأن الأردن، في الجغرافيا التي يقف عليها، لا يستطيع أن يتعامل مع السياسة بمنطق الإستعراض الإعلامي أو الرد على كل صاروخ بخطاب، ولا أن يجعل أداء الدولة مرهونًا بعدد المقابلات الصحفية التي يجريها رأس النظام .
ليس السؤال، في ظني، (أين الملك عبدالله؟)، كما أراد ماغيد البعيد عن بلدنا أن يوحي، وإنما السؤال الأكثر جدية لطرحه هو: أين يقف الأردن، شعبًا وقيادةً ودولةً، في واحدة من أكثر مراحل الشرق الأوسط اضطرابًا وخطورة؟
نعم، من حق الأردنيين أن يسألوا، لماذا لا يخاطبنا الملك بصورة أكثر مباشرة؟
ومن الطبيعي شرح التحولات الخطيرة التي تجري حولنا وتقديم رواية أردنية واضحة بخصوص اتخاذ الدولة هذه المواقف أو تلك؟
مزاعم المقالة التي كتبت في غرفة مظلمة حول «تراجع القيادة و الصمت النسبي» كما أشار الصحفي إياه ، لا ترتبط أبدا بعدد المقابلات الإعلامية أو حساب الأيام التي يقضيها الملك خارج البلاد.
والسياسة الخارجية لا تُقاس بعدد المؤتمرات الصحفية، وإنما بما تستطيع الدولة أن تحققه وتحميه في بيئة تتقاطع فيها إيران وإسرائيل والولايات المتحدة وسورية وغزة والضفة الغربية وروسيا وتركيا والصين حتى أوكرانيا ، وتتحول فيها المملكة إلى نقطة تماس جيوسياسية لا تملك رفاهية الخطأ او الإنغماس في ( الشو show الإعلامي ) .
الأردن ليس دولة تبحث عن دور.. الأردن موجود في قلب الدور أصلًا ومن ينكر ذلك لا يفهم أو يتقن ألف باء السياسة .
وقع ماغيد الصهيوني في مشكلة منهجية، عندما قرأ الأردن من الخارج، ثم حاول تفسير ما يجري داخله بأدوات الصحافة السياسية الغربية والإسرائيلية، وكأن المملكة مطالبة بأن تكشف أوراقها كي تثبت أنها تدير أزمتها.
الدول لا تكشف أوراقها في اللحظات التي تصبح فيها الحدود والأجواء والأمن الوطني جزءًا من لعبة إقليمية مفتوحة.
ومع ذلك، فإن الدفاع عن الدولة لا يعني إسكات النقد. بالعكس. ان أخطر ما يمكن أن تفعله الدولة هو أن تترك شعبها فريسة للشائعات والتأويلات الخارجية.
الخطاب الوطني الواضح هو جزء من الأمن الوطني والأردني يريد أن يعرف، لا أن يخمّن ويريد أن يفهم لماذا يتحمل الأردن كل هذه الضغوط، وأين تقف قيادته، وما هي خطوطه الحمراء، وما الذي يحاك خلف الأبواب المغلقة بخصوص مستقبل البلد من قبل المتضررين من حالة الإستقرار التي نعيشها .
القول المنسوب لليهودي بأن الأردن مشروع انهيار أو أن الملك يتراجع عن القيادة، فهو استنتاج أكبر من الوقائع التي يسوقها صاحب المقال .
نعم نتفق جميعا أن الأردن يواجه أزمة اقتصادية وضغوطًا اجتماعية وتحديات سياسية وإقليمية حقيقية، ناهيك عن البطالة وقصور الحياة السياسية وهذه ملفات لا يجوز دفنها بل معالجتها.
الخذلان أخطر من النقد، لأنه يدفع الأردني إلى اليأس والشك والارتياب. وفي المقابل، فإن التطبيل أخطر من النقد لأنه يحرم الدولة من مرآتها.
نحن بحاجة إلى الإثنين معًا، دولة قوية، ومجتمع يسأل،
ولذلك، نعم، اؤيد أن يكون هناك خطاب مباشر للأردنيين ، ليس دفاعًا ولا تبريرًا لسياسة، وإنما لأن الأردنيين يجب أن يفهموا ماهية ما يدور حولهم في الشرق الأوسط، وأن يعرفوا لماذا يقف بلدنا حيث يقف.
ماغيد اليهودي.. له أن يراقب الأردن من بعيد، وأن يكتب ما يشاء. لكن الأردن لا يُقرأ من نافذة طائرة، ولا تُقاس قوة دولته بانطباعات تبنى على غير أسس علمية .
الملكً ليس غائبًا لمجرد أن ماغيد لم يره بما يكفي خاصة ان وسائل الإعلام نقلت نشاطات للملك في المحافظات ولقاءات مع شخصيات محلية واجنبية قبل نشر المقالة .
السؤال الأهم هنا هل نفهم نحن، الأردنيين، حجم العاصفة التي تدور حولنا؟. لعل وعسى .



