*
الخميس: 27 أغسطس 2026
  • 27 أغسطس 2026
  • 22:13
التجييش ونظرية المؤامرة حين تصبح الشماعة بديلا عن الحقيقة
الكاتب: عبدالسلام الطراونة

في كل مرة يقترب فيها احدهم من التراث الديني بالنقد او الاجتهاد، يبدأ المشهد ذاته: فريق يهب للدفاع عن الله والرسول، وكأن بين ايدي افراده وكالة حصرية للتحدث باسمهما، وفريق اخر يتولى الدفاع عن المجتهد، لا بمناقشة افكاره بالضرورة، بل بالبحث عن متهم جاهز يقف خلف الهجوم عليه.

وهنا تظهر شماعة الاخوان المسلمين.

فما ان يتعرض صاحب رأي او مفكر لهجوم، حتى يسارع بعض اليساريين والعلمانيين والقوميين الى افتراض ان الاخوان هم المحرك الخفي، حتى عندما لا يقدمون دليلا على صلتهم بالموضوع. وكأن الخصومة الفكرية لا يمكن تفسيرها الا بنظرية مؤامرة، وكأن الاخوان المسلمين تحولوا في المخيال السياسي لدى البعض الى شماعة تصلح لتعليق كل ما لا يعجبهم.

وفي المقابل، لا يخلو الطرف الاخر من المشكلة نفسها. فهناك من يرفع شعار الدفاع عن الدين، ثم يحول الاختلاف الفكري الى معركة وجود، فينتقل من نقد الفكرة الى تخوين صاحبها، ومن الحوار معه الى المطالبة بإسكاته او اقصائه.

وهنا تكمن المفارقة الاكبر: كلا الطرفين، رغم اختلاف شعاراتهما، قد يمارسان السلوك ذاته؛ كل طرف يعتقد انه يمتلك الحقيقة، وكل طرف يبحث عن خصم يختصر له تعقيدات المشهد.

والاكثر غرابة ان تاريخ الصراع الفكري والسياسي في الاردن نفسه يقدم امثلة لا تنسجم مع هذه الرواية المبسطة. ففي مناظرات ومقابلات موثقة، ظهرت مواقف اقصائية من شخصيات تنتمي الى تيارات غير اسلامية ايضا. ويكفي التذكير بما جرى في مناظرة سابقة بين الوزير خالد البكار والمفكر ناهض حتر، حين صدر عن البكار موقف صريح تجاه حتر وصل الى الدعوة لاجتثاثه.

لا يعني ذلك تحميل اليسار او القوميين او العلمانيين مسؤولية ما فعله فرد، كما لا يعني تبرئة الاسلاميين من ممارسات الاقصاء حين تثبت بحقهم. الموضوعية تقتضي الا نحول الموقف الفردي الى تهمة جماعية، ولا ان نجعل الانتماء السياسي دليلا بحد ذاته على المسؤولية.

المشكلة اعمق من الاخوان واليسار والعلمانيين والقوميين. انها ثقافة صراع تجعلنا نبحث عن “الجماعة الشريرة” التي تقف خلف كل حدث، بدلا من البحث عن الفاعل الحقيقي والدافع الحقيقي والدليل الحقيقي.

نحن لا نحتاج الى مزيد من التجييش، بل الى شيء يبدو اكثر صعوبة: 

ان نختلف دون ان نخون، وان ننتقد دون ان نجتث، وان ندافع عن الدين دون ادعاء امتلاك صوته، وان ندافع عن حرية الفكر دون صناعة قديسين من مخالفي خصومنا.

فالافكار لا تحتاج الى جيوش تحميها، ولا تحتاج الاخطاء الى مؤامرات تفسرها.

والمجتمع الذي يحول كل اختلاف الى معركة، وكل خصم الى مؤامرة، وكل مؤامرة الى شماعة، لن ينتصر فيه الفكر… بل ستنتصر فيه ثقافة الاستقطاب، مهما اختلفت الرايات.

مواضيع قد تعجبك