*
الخميس: 27 أغسطس 2026
  • 27 أغسطس 2026
  • 15:48
لم يهزمني المرض علمني قيمة الحياة
الكاتب: المحامية نسرين صخر زريقات

بعض التجارب لا تمرّ بنا كما تمرّ الأيام…
إنها تعيد تشكيلنا من الداخل، وتغيّر نظرتنا إلى الحياة، وتجعلنا نكتشف في أنفسنا قوة لم نكن نعرف أنها تسكننا.

وأحيانًا، تأتي الحياة باختبار لم نطلبه، ولا نختار توقيته، فنقف أمامه للمرة الأولى مرتبكين، ثم نمضي… يومًا بعد يوم، حتى نكتشف أن الإنسان يستطيع أن يكون أقوى بكثير مما كان يظن.

كانت رحلة العلاج واحدة من أكثر المراحل قسوة.
الخضوع للكيماوي ليس مجرد جلسات تنتهي بانتهاء ساعاتها؛ هو مرحلة يمر فيها الإنسان بتعب الجسد، وثقل الأيام، وتغير تفاصيل اعتادها، وبأوقات يصبح فيها القيام بأبسط الأشياء مجهودًا كبيرًا. هناك أيام يكون فيها الجسد متعبًا، والنفس مثقلة، ويصبح الصبر ليس كلمة نقولها، بل قوة نمارسها ساعة بعد ساعة.

لكنني تعلمت أن الألم، مهما كان قاسيًا، لا يملك وحده تعريفنا.

في كل مرة شعرت فيها أن الطريق طويل، كان هناك شيء في داخلي يقول: استمري.

وفي كل مرة أثقل فيها التعب جسدي، كنت أتعلم أن الإنسان لا يُقاس بقدرته على ألا يسقط، وإنما بقدرته على أن ينهض كلما أثقلته الحياة.

ومع كل مرحلة من مراحل العلاج، كنت أكتشف معنى جديدًا للصبر، ومعنى أعمق للإيمان، ومعنى مختلفًا للحياة.

أصبحت أقدّر الأشياء التي كنا نمرّ بها دون أن ننتبه إليها: صباح هادئ، نفس عميق، لقاء مع من نحب، ضحكة صادقة، يوم بلا ألم، ونعمة أن نستيقظ ونقول ببساطة: الحمد لله، أنا بخير.

لهذا أقول لكل امرأة: لا تنتظري المرض حتى تتذكري صحتك.

افحصي نفسك.
لا تؤجلي الفحص خوفًا من النتيجة؛ لأن المعرفة المبكرة تمنحنا فرصة أكبر للمواجهة والعلاج. وسرطان الثدي ليس قدرًا يجب أن نستسلم له، بل مرض يستحق الوعي والكشف المبكر والمتابعة الطبية.

وأقول لكل من حول مريض السرطان: لا تستهينوا بقوة حضوركم.

المريض لا يحتاج إلى كلمات كثيرة، ولا إلى نظرات شفقة. يحتاج إلى شخص يبقى بجانبه، إلى عائلة تمنحه الأمان، إلى صديق يتصل ليسأل بصدق، إلى يد تمسك بيده في يوم ثقيل، وإلى من يذكره بأنه ما زال هو نفسه… وأن المرض مرحلة في حياته، وليس تعريفًا له.

وفي هذه الرحلة، كان لـ مركز الحسين للسرطان مكان لا يمكن أن تختصره الكلمات.

من القلب، شكرًا لإدارة المركز، ولأطبائه الذين جمعوا بين العلم والمسؤولية، وللكادر التمريضي الذي كان حاضرًا في أصعب التفاصيل؛ في التعب، والخوف، والانتظار، وفي تلك اللحظات التي يحتاج فيها المريض إلى إنسان قبل أن يحتاج إلى علاج.

شكرًا لكل يد امتدت، وكل كلمة طمأنينة قيلت، وكل جهد بُذل كي تكون رحلة العلاج أكثر احتمالًا وإنسانية.

إن دعم مركز الحسين للسرطان ليس مجرد تبرع لمؤسسة طبية؛ إنه مساهمة في صناعة الأمل، وفي منح مرضى السرطان فرصة للعلاج، واحتضان أسرهم، ومواصلة حياتهم بكرامة.

واليوم، وأنا أنظر إلى هذه الرحلة من نهايتها، لا أريد أن أتذكر فقط ما كان فيها من ألم؛ أريد أن أتذكر ما صنعه الألم في داخلي.

علّمني أن أكون أكثر امتنانًا.
أكثر صبرًا.
أكثر قوة.
وأكثر تقديرًا لكل يوم يمنحنا الله إياه.

فبعض المعارك لا نخرج منها كما دخلناها.

نخرج منها أكثر قوة، وأكثر وعيًا بقيمة الحياة، وأكثر رحمة بالآخرين، وأكثر إيمانًا بأن الإنسان يستطيع أن يعبر أصعب الطرق إذا امتلك الصبر، وتمسك بالأمل، وأحاط نفسه بالمحبة.

ولذلك، إذا كان لي أن أختصر هذه التجربة كلها في رسالة واحدة، فسأقول:

لا تؤجلوا الفحص.
لا تستهينوا بأي علامة تستحق الاطمئنان.
لا تبخلوا على مريض بكلمة طيبة أو حضور صادق.
وادعموا كل مكان يمنح الإنسان فرصة للعلاج والحياة.

أما الحياة… فأصبحت أعرف اليوم أن أجمل ما فيها ليس أنها تخلو من الألم، بل أننا نملك القدرة على أن نعبر الألم، ونعود إليها بقلب أقوى.

الحمد لله على نعمة الصحة،
والحمد لله على الصبر حين نحتاجه،
والحمد لله على القوة التي نكتشفها في أنفسنا عندما تضعنا الحياة أمام أصعب امتحاناتها.

وشكرًا لمركز الحسين للسرطان…
لأنكم كنتم، في جزء من هذه الرحلة، أكثر من مكان للعلاج.

كنتم جزءًا من طريق العودة إلى الحياة.
 

مواضيع قد تعجبك