*
الجمعة: 28 أغسطس 2026
  • 28 أغسطس 2026
  • 19:51
معقول تشتي في آب حين تغيّر السماء ذاكرة الجسد
الكاتب: عماد داود

قبل أن يصبح هذا السؤال نشرة جوية، كان مضمون أغنية!

وقبل أن يصبح الغلاف الجوي الأردني طرفًا في الحكاية، كان وائل كفوري يغني عن المستحيل: مطر في آب، وأيلول يزهر خارج موعده، وتسقيع في تموز، ومياه تتجمد في الكوز، وتفتيح لزهر اللوز في تشرين، وفصول تنقلب رأسًا على عقب من فرط الحب. مبالغات عاطفية، مفهومة، بل جميلة.

لكن السماء في الأردن قررت أن تأخذ هذا "المستحيل" على محمل الجد. ليس تمامًا، وهنا تبدأ الحكاية. فآب لم يتحول شتاءً، لكنه قرر أن يثبت أن كلمة "مستحيل" نفسها بحاجة إلى إعادة نظر.

هذه المرة، الأمر ليس احتمالًا معلقًا في الهواء. المستشار الجوي جمال الموسى تحدث بتواريخ واضحة: الأربعاء والخميس ستبقى الأجواء حارة، بحرارة أعلى من معدلها المعتاد بدرجتين إلى أربع درجات، لتصل العظمى الخميس إلى نحو 35 درجة. ثم يبدأ الانخفاض التدريجي الجمعة إلى 33-34 درجة، والسبت إلى نحو 33. وبعدها، اعتبارًا من ليل السبت وصباح الأحد، تتأثر المملكة بحالة من عدم الاستقرار الجوي ناتجة عن تسخين طبقات الجو السفلى والعليا بالتزامن مع حوض علوي بارد، وتتهيأ الفرصة تدريجيًا لهطول زخات رعدية، أكثر غزارة في الشمال والوسط، مع امتداد الفرص إلى مناطق أخرى من المملكة.

بمعنى آخر: هذه ليست غيمة عابرة قد تأتي أو لا تأتي. هذا تصادم فعلي بين هواء حار راكد وحوض بارد قادم من فوق، والنتيجة زخات رعدية محسوبة بالتوقيت، لا مجرد احتمال يتيه بين "ربما" و"ربما لا".

وهذا وحده كافٍ لأن يفتح الأردني نافذة بيته وينظر إلى السماء طويلًا، كأنه يراجع حسابًا بدأ يفهمه أخيرًا.

وهكذا دخلنا، من غير قرار رسمي، مرحلة جديدة اسمها: الاحتياط المناخي الأردني.

تلبس شورتًا، وتضع جاكيتًا في السيارة. تخرج بنظارة شمس، وتحمل مظلة. تشغل المكيف، وتُبقي الشباك نصف مفتوح. ثم تمشي في الشارع حائرًا: هل أنت ذاهب إلى مسبح أم إلى مدفأة؟

وهنا، للمرة الأولى منذ شهور، يصبح صندوق السيارة أهم من النشرة الجوية. لأن الأردني الذكي لا يثق بآب كاملًا، فيضع فيه مظلة، وجاكيتًا، ونظارة شمسية، وزجاجة ماء، وآخر ما تبقى من إيمانه بالفصول الأربعة المنتظمة.

حتى مساحات زجاج السيارة تستعيد فجأة دورها بعد إجازة طويلة. طوال الصيف كانت عاطلة عن العمل: لا مطر، لا طين، لا رذاذ، فقط شمس وغبار. وفجأة، تقترب زخة رعدية حقيقية، فتنتفض المساحات كجندي استيقظ على صوت إنذار، مستعدة للخدمة بعد شهور من الكسل العميق.

أما المظلة، فلا تسأل عنها. طوال الصيف تنام في زاوية السيارة الخلفية، يتراكم عليها الغبار، وكأنها قطعة أثرية من عصر الأمطار المنسي. ثم تأتي نشرة تتحدث عن "زخات رعدية غزيرة"، فتُخرجها العائلة للتأكد من أنها ما زالت صالحة للخدمة، بثقة أكبر هذه المرة، لأن الحديث لم يعد عن غيمة خجولة، بل عن حالة جوية لها اسم وتوقيت وخارطة.

لكن المشكلة ليست في الزخة القادمة.

المشكلة في الفكرة!

لقد تربينا على أن لكل شهر شخصية ثابتة. كان آب يعرف نفسه: حار، جاف، واضح. يكفي أن تقول "آب" حتى يتولى جسدك بقية الجملة: عرق، مكيف، ماء بارد، وإنسان يقف أمام باب الثلاجة المفتوح، باحثًا عن معنى للحياة أكثر مما يبحث عن شيء بداخلها.

أما هذا العام، فآب يمشي على خطين متوازيين: حرارة أعلى من معدلها في أوله، وزخات رعدية حقيقية عند نهايته. كأنه يريد أن يثبت أنه لا يزال حارًا كما تعرفه، ثم ينقلب في آخر أيامه ليذكرك أنه لم يعد يشبه نفسه القديمة تمامًا.

وهنا يظهر المثل الشعبي القديم، وكأنه صُمم لهذه اللحظة: "من قلة هدانا، صار صيفنا شتانا."

الأجداد لم يكن لديهم تطبيق ولا رادار ولا أقمار صناعية. كان عندهم شباك، وعين، ومثل محفوظ في الصدر. وكانوا يعرفون أن الطبيعة لا تحب أن تمشي على المسطرة.

أما نحن، فأصبح لدينا مستشار جوي يحدد التاريخ والساعة تقريبًا، ثم ننظر إلى السماء لنتأكد إن كان كلامه صحيحًا.

ولنكن عادلين هذه المرة: النشرة لا تتحدث عن احتمال ضعيف. تتحدث عن حالة عدم استقرار مؤكدة، بأسباب فيزيائية واضحة، وتوقيت محدد يبدأ ليل السبت. وهذا ما يجعل السؤال أكثر جدية لا أكثر طرافة فقط: قد تكون الزخة غزيرة في إربد وأقل في عمّان. وقد تصل إلى مناطق لم تكن على قائمة التوقع الأولى، لأن الفرص، كما قال الموسى نفسه، تمتد "إلى مناطق أخرى من المملكة".

لكن السؤال الأهم ليس: هل ستمطر في آب؟

السؤال هو: ماذا يعني أن يصبح المستحيل موعدًا محددًا بالساعة، في بلد يعيش أصلًا على حافة الجفاف؟

هنا تتوقف السخرية قليلًا.

لأن الأردن ليس بلدًا يستطيع التعامل مع المطر بوصفه مجرد مفاجأة لطيفة. الماء عندنا ليس تفصيلًا في النشرة الجوية؛ الماء مسألة دولة، وموازنة، وزراعة، ومدن، وسدود، ومستقبل.

فإذا بدأت الفصول تتصرف بطريقة لا تشبه ما اعتدناه، وإذا أصبحت الزخات الرعدية تأتي في نهاية آب بدل أن تنتظر تشرين، فإن القضية لا تعود مجرد غيمة عابرة. تصبح سؤالًا في التخطيط نفسه: كيف نبني مدننا؟ كيف ندير مياهنا؟ كيف نزرع؟ وكيف نستعد لطقس لا يلتزم تمامًا بالروزنامة التي ورثناها؟

فربما لا يكون التغير الحقيقي في كمية المطر فقط، بل في موعده، ومكانه، وشدته، وطريقة حضوره. وهذا يعني أن علاقتنا بالمناخ قد تتغير قبل أن تتغير خرائطه.

فقد لا نحتاج إلى إعادة تعريف الشتاء والصيف فقط، بل إلى إعادة تعريف توقعاتنا عنهما.

ماذا لو أصبح آب شهر النهايات الرعدية؟ شهر يبدأ حارًا يابسًا كما عرفناه دائمًا، وينتهي بحوض بارد وزخات محسوبة، وكأنه يقدّم اعتذارًا متأخرًا عن كل الشهور الجافة التي سبقته؟

حينها لن يكون التغير في الطقس مجرد تغير في الطقس.

سيكون تغيرًا في ذاكرة الجسد!

في عادات الناس، وفي طريقة لباسهم، وفي سلوكهم، وفي علاقتهم بالمكان والزمان.

فالإنسان لا يحفظ المناخ في الكتب فقط؛ يحفظه في جسده. يعرف آب من عرقه، وكان يعرف الشتاء من رائحة التراب، ويعرف الربيع من شكل الشجر، ويعرف تشرين من برده الذي يأتي في الموعد.

وحين تتغير هذه المواعيد، يتغير شيء أعمق من النشرة الجوية.

تتغير ذاكرة المكان.

وربما، من حيث لا يدري، كان وائل كفوري قريبًا من الحقيقة أكثر مما تخيل.

كانت الأغنية تبني عالمها على فكرة أن المطر في آب مستحيل. أما اليوم، فقد أعاد الأردن ترتيب القائمة: المطر في آب صار موعدًا له تاريخ، والزخة الرعدية صار لها حوض بارد يفسرها، والغيمة التي كانت تظهر فجأة صارت جزءًا من حالة جوية موصوفة بدقة.

لكن بقي شيء واحد يحتاج إلى معجزة:

أن يخرج الأردني من بيته بملابس واحدة تكفيه من الأربعاء الحار إلى الأحد الممطر!

هذه هي المعجزة الفعلية.

أن تخرج بقميص خفيف يوم الخميس، ولا تضطر إلى جاكيت مساء السبت، ولا لمظلة صباح الأحد، ولا للاتصال بأمك لتسألها: ماذا ألبس هذا الأسبوع؟

فترد عليك، بثقة أمهات الأردن التي لا تُقهر، وكأنها قرأت تصريح المستشار الجوي قبل أن يصدر:

"خذ جاكيت معك، قالوا في النشرة الجو رح ينقلب آخر الأسبوع."

ولا تنسَ المظلة: "السبت بالليل رح تنزل زخات، حتى لو الجو هلق حر."

ولا تترك النظارة الشمسية: "بس لأربعاء وخميس، بعدها خذ حذرك."

باختصار: خذ كل ما تملك، لأن الجو، كما تقول الأمهات منذ الأزل، "ما إله أمان" — حتى لو جاء الأمان هذه المرة موقّعًا باسم مستشار جوي رسمي.

أما وائل كفوري، فلو زار عمّان هذا الأسبوع تحديدًا، بين حرارة الخميس وزخات الأحد، سنقول له فقط:

الغلاف الجوي الأردني لم يكذب على أغنيتك؛ هو فقط أعطاها موعدًا وتوقيتًا لم تكن تملكهما.

كنت تقصد المستحيل بمعناه المطلق، والسماء أرادت أن تذكرك أن المستحيل قد يصبح جدول أعمال أسبوعيًا.

قد تمطر بغزارة في الشمال والوسط، وقد تكون أخف في أماكن أخرى. لكن المؤكد أن الأردن لم يعد يملك رفاهية أن يتعامل مع نهاية آب كما لو أنها ستبقى دائمًا كما كانت.

فحوض بارد صغير قادم من فوق قد يكون مجرد حالة جوية عابرة.

وقد يكون، في بلد جاف مثل الأردن، سؤالًا كبيرًا يتنكر في هيئة زخة رعدية.

ولهذا، حين ينظر الأردني هذا الأسبوع إلى السماء، لا يعود يسأل فقط: "معقول تشتي في آب؟"

بل يسأل، من حيث لا يدري:

ترى... هل نحن الذين تغيرنا، أم أن السماء هي التي بدأت تغيّر قواعد اللعبة؟

وفي الحالتين، هناك شيء واحد لا يتغير:

أننا، من قلة هدانا، سنخرج مساء السبت بالمظلة والنظارة الشمسية معًا!

[email protected]

مواضيع قد تعجبك