*
الاربعاء: 26 أغسطس 2026
  • 26 أغسطس 2026
  • 01:06
الجنرال بلوط
الكاتب: عماد داود

أخطر ما يمكن أن يقوله جنرال ليس أن عدوه قوي. أخطر ما يمكن أن يقوله هو أن جيشه لم يعد يسيطر على كل من يفترض أنه يعمل تحت سلطته.

في اللهجة الشامية، حين تريد أن تصف إنساناً بالبلادة المقيمة والجمود الراسخ، تقول له: «يا بلوط». البلوطة شجرة صلبة، جذورها تعاند التحول، والموصوف بها يعني أن عقله توقف عند نقطة صلبة ولم يتحرك منذ الخليقة.

وحين تسمع اسم اللواء آفي بلوط، قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال والحاكم العسكري الفعلي للضفة الغربية، تتوقف أمام سخرية الاسم. هذا مستوطن متطرف يجمع في يده صلاحيات السلطات الثلاث بامتياز مطلق — تشريعية وتنفيذية وقضائية — بلا رقيب ولا حسيب. القاضي والمدعي والسجان في آن واحد!

في أيار 2026، وفي منتدى مغلق، وصف بلوط عنف المستوطنين بأنه «إرهاب يهودي»، محذراً من أن استمراره قد يشعل انتفاضة فلسطينية كبرى. وقال: «من شبه المعجزة أن الشارع الفلسطيني لا يزال غير مبالٍ بهذه الظاهرة، لكنه لن يبقى كذلك إلى الأبد.»

توقف هنا. حين يصدر هذا الوصف عن ناشط حقوقي فلسطيني، تضعه المؤسسة الإسرائيلية في خانة الخصومة. وحين يصدر عن صحفي عربي، تبدأ قائمة الاتهامات. لكن حين يصدر عن قائد المنطقة الوسطى نفسه، تصبح المشكلة داخل البيت، لا خارجه.

واعترف بلوط في الجلسة نفسها بأن مستوطنين أحرقوا «وسائل تشخيص عسكرية» لتجنّب رصدهم وهم في طريقهم لحرق بيوت فلسطينية، وتساءل بحرفيته: «لقد أحرقوا وسائل أمنية استهدفت الحماية من المخربين. إذن من الذي انتقموا منه؟»

جيشه، بشهادته هو، مخترق من الداخل! لكنه، فور انتهاء الاعتراف، يعود ليطمئن قادة المستوطنات بأن العمليات العسكرية ستستمر ضد الفلسطينيين وحدهم.

تقارير «هيومن رايتس ووتش» لمنتصف 2026 توثق: 15 فلسطينياً، بينهم طفلان، قتلهم المستوطنون؛ ومعدل 6.6 هجمة يومياً، وهو الأعلى في السجلات. وفي 21 نيسان، هاجم مستوطنون مدرسة في قرية المغير بالرصاص الحي، فقُتل الطفل أوس حمدي النعسان (14 عاماً) — الذي كان قد ودّع أباه قبل سبع سنوات حين قتله مستوطنون أيضاً عام 2019 — والشاب جهاد مرزوق أبو نعيم (32 عاماً) وهو يحاول إنقاذ المصابين.

وكشف تقرير لمنظمة «يش دين» الحقوقية الإسرائيلية، نُشر أواخر آب 2026، أن حصة منطقة «ب» وحدها من إجمالي حوادث عنف المستوطنين قفزت إلى 55% منذ بداية العام، بعدما كانت 25% فقط في العام السابق. العنف ينتقل تحديداً إلى المناطق التي يُفترض أنها تحت إدارة فلسطينية، حيث تجري تفاصيل الحياة اليومية.

وهنا يجب تصحيح قراءة شائعة، وأولها قراءتي الأولى لهذا المقال. من السهل أن نصف بلوط بأنه شرير واعٍ ينفّذ خطة إحلال متعمدة بعقل بارد. هذا وصف درامي مُرضٍ، لكنه غير دقيق وغير ضروري لإدانته.

بلوط لا يحتاج أن يكون عبقرياً مخادعاً ليكون خطراً. يكفي أنه جنرال يرى بوضوح أن المستوطنين خرجوا عن قدرته على الضبط، ويستمر رغم ذلك في توفير الغطاء العسكري لهم، لأن مفهومه لـ«أمن إسرائيل» لا ينفصل أصلاً عن حماية المشروع الاستيطاني. اعترافاته ليست مناورة ذكية لكسب تعاطف الغرب بقدر ما هي ذعر رجل ميداني يحاول لجم قوى صار عاجزاً عن ضبطها.

والفرق بين الوصفين ليس تفصيلاً بلاغياً. حين تصف المؤسسة العسكرية بأنها تدير مؤامرة، تمنحها تماسكاً وكفاءة لا تملكهما. وحين تصفها بأنها عاجزة هيكلياً عن حل تناقضها الداخلي، تصف واقعاً أخطر: مؤسسة لا تسيطر على قوة السلاح التي ولّدتها بنفسها، وتستمر رغم ذلك، لا لأنها تخطط بذكاء، بل لأنها لا تملك بديلاً يدير هذا التناقض بشكل مختلف.

بقاء بلوط في منصبه ليس دليل قوته. إنه دليل عجز المنظومة عن إيجاد من يدير الخراب بطريقة أخرى.

إذا كان الجيش لا يستطيع منع مستوطن متطرف من إحراق بيت فلسطيني، فهذه مشكلة. وإذا كان يستطيع ولا يفعل، فالمشكلة أكبر. وإذا كانت المؤسسة نفسها تتعامل بمعايير مختلفة مع رامي الحجر الفلسطيني ورامي الحجر المستوطن — وهو تمييز أشار إليه بلوط نفسه في تصريحات منسوبة إليه من المنتدى ذاته — فالمشكلة لم تعد حادثة أمنية. تصبح بنية حكم!

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا أعمق من شخص بلوط: هل الدولة هي التي تحدد حدود القوة؟ أم أن القوة صارت هي التي تعيد رسم حدود الدولة؟

الضفة الغربية ليست جزيرة بعيدة عن الأردن؛ إنها الجهة الأخرى من جغرافيته المباشرة. وتفكك قدرة الجيش الإسرائيلي على ضبط من يفترض أنه تحت سلطته يعني أن إسرائيل لم تعد بالضرورة شريكاً قادراً على ضبط التزاماته الحدودية.

هذا يستدعي من الأردن أكثر من متابعة الخبر. يستدعي قراءة باردة للسيناريوهات المحتملة قبل وقوعها، لا بعده؛ وانخراطاً دبلوماسياً واستخباراتياً استباقياً مع القوى الدولية للضغط باتجاه ضبط هذه الميليشيات المسلحة قبل فوات الأوان؛ وخطط طوارئ فعلية وليست نظرية لأي موجة تهجير أو فوضى مفاجئة. الدولة التي تنتظر الانفجار لتقرأه، تصل دائماً متأخرة دقيقة عن وقتها!

في الشام نقول «يا بلوط» عن الجامد الذي لا يتزحزح. لكن السؤال هنا ليس إن كان الجنرال ثابتاً؛ السؤال: ما الذي تجذّر حوله؟ هل تجذّر الجيش؟ أم المستوطنون؟ أم فكرة أن السيطرة بالقوة وحدها يمكن أن تستمر إلى الأبد؟

القوة العسكرية تستطيع إدارة لحظة. لا تستطيع إلى الأبد إدارة مجتمع غاضب من الظلم! والاحتلال يستطيع فرض هدوء مؤقت. لا يستطيع صناعة استقرار دائم من غياب العدالة.

حين يعترف الحارس بأن النار داخل البيت، لا تنشغل باسم الحارس. اسأل: من أشعلها؟ ومن يملك الماء؟ والأخطر: من قرر أن يتركها مشتعلة؟

التاريخ لا يسأل الجنرال فقط عما قاله. يسأله عما فعله بعد أن قاله. وتلك المحكمة لن تنعقد في منتدى مغلق ولا أمام كاميرا، بل على الأرض، حيث لا تنفع البلاغة، ولا تكفي الكلمة التي تسمّي الحريق دون أن تطفئه.

وحين يصل التاريخ إلى تلك اللحظة، لن يقول: لقد أُكلت البلوطة الصلبة من جوفها فقط.

سيقول أيضاً: وكان هناك من رآها تحترق، وسمّاها بالاسم الصحيح، ثم أبقى الحطب في مكانه!

مواضيع قد تعجبك