هناك مناسبات تمرّ على التقويم، وهناك مناسبات تمرّ على الإنسان.
وذكرى المولد النبوي الشريف من تلك المناسبات التي لا يكفي أن نضعها في خانة الأيام المباركة ثم نمضي؛ لأنها تفتح أمامنا سؤالاً لا يتعلق بالماضي وحده، بل بنا نحن: كيف نبدو حين نضع ما نؤمن به أمام ما نفعله؟
نحن نعرف السيرة، ونروي تفاصيلها، ونستعيد مواقفها، ونعبّر عن محبتنا لرسول الله ﷺ بكلمات صادقة تخرج من القلب. لكن المحبة، حين تكون حقيقية، لا تبقى في حدود الشعور ؛ إنها تبحث عن طريق إلى السلوك.
وهنا تبدأ المسافة بين أن نعرف السيرة وأن نعيش بعض معانيها.
فقد يكون الإنسان واسع المعرفة، لكنه ضيق الصدر.
وقد يكون كثير الحديث عن القيم، لكنه يتخلى عنها عندما تتعارض مع مصلحته.
وقد يرفع أجمل الشعارات عن الصدق، ثم يبحث عن مخرج حين يصبح الصدق مكلفاً.
وهذه ليست مشكلة مرتبطة بزمن معين، وإنما سؤال إنساني يتجدد كلما حاول الإنسان أن يجعل من القيم جزءاً من حياته.
لذلك، ربما يكون أجمل ما في ذكرى المولد أنها تمنحنا فرصة لمراجعة أنفسنا ،والسؤال عن الإنسان الذي نريد أن نصبحه في حاضرنا .
ليس السؤال: كم نعرف عن السيرة؟
بل: ماذا غيّرت معرفتنا بالسيرة في طريقة تعاملنا مع الناس؟
هل أصبحنا أكثر إنصافاً حين نختلف؟
هل أصبحنا أكثر تحفظاً في إطلاق الأحكام؟
هل صرنا نعرف أن الإنسان قد يخطئ دون أن يصبح عدواً ؟
هل تعلمنا أن الكرامة لا ينبغي أن تكون مشروطة بالتوافق معنا؟
هذه الأسئلة تبدو بسيطة، لكنها في الحقيقة تمس جوهر علاقتنا ببعضنا البعض.
فنحن نعيش في زمن أصبحت فيه الأحكام أسرع من المعرفة. يكفي أحياناً أن نرى مقطعاً قصيراً أو نقرأ جملة مبتورة حتى نبني موقفاً كاملاً من شخص لم نعرف قصته، ولم نسمع روايته، وربما لم نمنحه حتى فرصة الكلام.
وفي هذا العالم السريع، تصبح الأخلاق أكثر حاجة إلى البطء.
أن نتريث قبل أن نحكم.
أن نتأكد قبل أن ننقل.
أن نفكر قبل أن نكتب.
وأن ندرك أن الكلمة، حتى لو كانت قصيرة، قد تحمل أثراً طويلاً في حياة إنسان.
ولعل من أكثر ما نحتاج إلى استعادته في هذه المناسبة هو أدب الاختلاف.
فالاختلاف ليس عيباً في الإنسان، ولا دليلاً على فساد الآخر ، والمجتمعات الحية هي التي تستطيع أن تتسع لتعدد الآراء دون أن تتحول ساحاتها إلى خصومات شخصية.
نحتاج أن نتعلم من السيرة أن قوة الفكرة لا تحتاج إلى إسقاط صاحب الفكرة الأخرى، وأن الدفاع عن موقفنا لا يمنحنا حق إهانة المختلف.
وهذا المعنى يتجاوز العلاقات الفردية إلى حياتنا العامة.
فالكلمة المسؤولة في الإعلام مسؤولية.
والكلمة المسؤولة في السياسة مسؤولية.
والكلمة المسؤولة على منصات التواصل مسؤولية.
وحتى الصمت أحياناً مسؤولية، حين يكون الكلام ظلماً، أو حين يتحول التسرع إلى أذى.
لقد أصبح الإنسان المعاصر يمتلك قدرة هائلة على التأثير في الآخرين. هاتف صغير يستطيع أن ينقل فكرة إلى آلاف الناس خلال دقائق، ومنشور واحد قد يرفع شخصاً أو يهدم صورته، وخبر غير دقيق قد يخلق موقفاً عاماً قبل أن تتاح للحقيقة فرصة الوصول.
ولهذا فإن استحضار السيرة اليوم لا ينبغي أن يكون منفصلاً عن واقعنا.
نحن بحاجة إلى أخلاق تواكب قوة أدواتنا.
فكلما ازدادت قدرتنا على الوصول إلى الآخرين، ازدادت حاجتنا إلى ضبط ما نقوله.
وكلما أصبحت المعلومات أكثر وفرة، ازدادت حاجتنا إلى التحقق.
وكلما أصبح التعبير أسهل، ازدادت مسؤوليتنا عن نتائجه.
وهنا تكمن إحدى الدروس التي يمكن أن تجعل ذكرى المولد حاضرة في حياتنا اليومية، لا في مناسبتها فقط: أن الأخلاق ليست زينة تضاف إلى الإنسان، بل هي الطريقة التي يستخدم بها ما يملك من قوة ومعرفة وتأثير.
فالإنسان المثقف ليس من يعرف أكثر فقط، وإنما من يعرف كيف يستخدم معرفته.
والإعلامي الناجح ليس من يصل إلى أكبر عدد من الناس فقط، وإنما من يعرف قيمة الأثر الذي يتركه فيهم.
والسياسي لا تقاس مكانته بكثرة ما يقول، بل بمقدار ما يستطيع أن يحافظ عليه من مسؤولية تجاه الناس.
والشخص العادي ليس خارج دائرة التأثير؛ فربما كانت كلمة منه سبباً في رفع معنويات إنسان، أو إعادته إلى طريق، أو منحه ثقة فقدها.
لهذا لا ينبغي أن نبحث دائماً عن الأعمال الكبيرة كي نشعر أننا نقتدي بالقيم العظيمة.
احياناً تبدأ القيم من موقف صغير لا يراه أحد.
من اعتذار صادق.
من وعد نلتزم به.
من حق نعطيه لصاحبه رغم قدرتنا على أخذه.
من إنصاف شخص غائب لا يستطيع الدفاع عن نفسه.
من امتناعنا عن نشر خبر لا نعرف صحته.
من قدرتنا على أن نقول: «لا أعرف» بدل أن نخترع إجابة.
ومن شجاعتنا في مراجعة أنفسنا حين نكتشف أننا أخطأنا.
هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تمنح القيم معناها الحقيقي.
ولهذا، فإن ذكرى المولد النبوي لا ينبغي أن تبقى في حدود الفرح والاحتفاء بالمناسبة فحسب ، بل يمكن أن تكون موعداً سنوياً مع ضمائرنا…..
نقف فيه أمام أنفسنا لا أمام الآخرين.
نسأل: هل أصبحت أفضل مما كنت؟
هل أصبحت كلمتي أكثر اتزاناً؟
هل أصبحت علاقتي بالناس أكثر إنصافاً؟
هل أستطيع أن أختلف دون أن أجرح؟
هل أستطيع أن أمتلك القوة دون أن أستخدمها لإضعاف غيري؟
وهل أستطيع، حين أخطئ، أن أمتلك شجاعة الاعتراف؟
ربما لا نحتاج إلى إجابات مثالية.
يكفي أن نكون صادقين معها.
فالقيمة الحقيقية للمناسبات العظيمة ليست في عدد الكلمات التي نقولها عنها، وإنما في قدرتها على أن تترك فينا شيئاً يستمر بعد انتهائها.
وحين تنتهي أيام الاحتفال، وتعود الحياة إلى تفاصيلها المعتادة، يبقى الاختبار الحقيقي هناك: في المكتب، وفي البيت، وفي الطريق، وفي علاقتنا بمن نختلف معهم، وفي الكلمة التي نكتبها، وفي الموقف الذي لا يرانا فيه أحد.
هناك تحديداً تصبح السيرة اختباراً لنا.
وهناك نكتشف أن الاقتداء ليس صورة نرفعها، ولا عبارة نكررها، وإنما اختيار يومي؛ أن نكون في بعض مواقفنا أقرب إلى القيم التي نحبها ونؤمن بها.
وفي ذكرى المولد النبوي الشريف، لا أريد أن أقول فقط: كل عام وأنتم بخير.
بل أتمنى أن يكون هذا العام فرصة لكل واحد منا أن يسأل نفسه سؤالاً بسيطاً وصعباً في آن واحد:
ما الشيء الذي يمكن أن يتغير في سلوكي، لو أنني أردت حقاً أن أجعل محبتي للنبي ﷺ أثراً في حياتي؟
قد يكون الجواب كلمة.
وقد يكون موقفاً.
وقد يكون تسامحاً.
وقد يكون حقاً نعيده إلى صاحبه.
وقد يكون ظلماً نتوقف عن ممارسته.
وقد يكون حكماً متسرعاً نتعلم أن نؤجله.
لكن المهم أن يكون هناك شيء ينتقل من القلب إلى الحياة.
فالمناسبات العظيمة لا تحتاج منا أن نتحدث عنها أكثر، بقدر ما تحتاج أن تجعلنا نصبح أفضل قليلاً بعدها.
وفي ذكرى مولد سيد الخلق محمد ﷺ، نسأل الله أن يجعل محبتنا له خلقاً يظهر في تعاملنا، وأمانةً في أعمالنا، ورحمةً في علاقاتنا، وحكمةً في كلماتنا، وأن يرزقنا صدق الاقتداء قبل جمال الاحتفاء.
وكل عام والوطن وأهله، والأمة العربية والإسلامية، بخير وأمن وسلام.



