تتوالى الرسائل من البيت الهاشمي، فرحًا بميلاد خير البرية، وتعبيرًا عن الابتهاج بذكرى مولد المصطفى ﷺ. وإذا كان الاحتفال بالمولد النبوي الشريف يعمّ الأمة العربية والإسلامية، فإن لهذه المناسبة في الحمى الهاشمي خصوصيةً من الابتهاج، لما تحمله من معانٍ متصلة بسيرة المصطفى وآل بيته الأطهار.
فقد ورد في الحديث عن النبي ﷺ:
«إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض».
فنحن إذ نحتفي بهذه المنة المحمدية، نستحضر في وجداننا مكانة آل البيت والعترة المحمدية، أحد الثقلين، وما تمثله سيرتهم من قيمٍ راسخة ومعانٍ سامية؛ فمن استهدى بهديهم، واقتدى بأخلاقهم، واستمسك بمنهجهم، وجد في سيرتهم معينًا من الإيمان والفضيلة.
وفي رسالة عميد البيت الهاشمي، يتجدد هذا المعنى بقوله:
«سيرة المصطفى نبراس نستلهم منه القيم ومكارم الأخلاق».
وصدق الله العظيم إذ يقول:
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
وما يجدد فينا روح هذه المعاني هو تلك المحبة المتجذرة لسيد الخلق أجمعين ﷺ وآل بيته الأطهار؛ محبة لا تقف عند حدود الاحتفاء بالمناسبة، بل تتحول إلى سلوك وقيم ومنهج حياة.
ففي ذكرى مولد خير البرية تحيا فينا قيم العفو والعدل والرحمة والبذل والإيثار، ونصرة المظلوم وردع الظالم، ونستعيد من السيرة النبوية ما يعيننا على مواجهة تحديات الحاضر، بثبات المؤمن، ووعي المسؤول، وأخلاق من جعل رسالة الإسلام رحمةً للعالمين.
إن هذا الارتباط بين العترة المحمدية والعرش الهاشمي ليس مجرد معنى تاريخي، وإنما هو معنى يتجسد في منهج الآل، وفي حضورهم الممتد في وجدان الأمة، وفي ثبات الأردن على مبادئ الحق والعروبة، وحمله لأمانة الوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف.
وهي أمانة عظيمة، ظل الهاشميون يحملونها بثبات ومسؤولية، دفاعًا عن هوية القدس، وصونًا لمقدساتها، وتمسكًا بحقوق الأمة وثوابتها، لتبقى هذه الوصاية أمانةً في أعناقهم، وعهدًا لا يتبدل.
وفي استحضار هذا الثبات على الموقف، تحضرني أبيات الشاعر:
جهلوا أن في العرين أسودًا
وتناسوا حفاظنا المعهود
قل لهم: عترة النبي المصطفى
أشد الناس بأسًا وأصلب الناس عودًا
من يلج غيلهم يلج غيل غفان
وقد فاض أنمرًا وأسودًا
.
ونحن إذ نحيي هذه الذكرى، متمسكين بمحبة النبي ﷺ وعترته، مستلهمين من سيرتهم قيم الحق والرحمة والعدل، يملؤنا اليقين بأن سفينة هذا الوطن ستبقى تسير في طريق النجاة، قائمةً على هدي النبوة، مستندةً إلى إرثها الهاشمي، متشبثةً بثوابتها العربية والإسلامية، مهما بلغت الصعاب مداها.
فالمولد النبوي ليس مجرد ذكرى نحتفي بها في يوم، وإنما فرصة لتجديد العهد مع القيم التي جاء بها المصطفى ﷺ، ولتأكيد أن محبة الرسول تكون بالاقتداء بسيرته، وأن محبة آل بيته تكون بصون مكانتهم، واستلهام أخلاقهم، والتمسك بما يجمع الأمة على الخير والحق.
وهذا هو المعنى الباقي من وعد التمسك بالثقلين؛ كتاب الله وعترة النبي وآل بيته، معنى نؤمن به ونستحضره ما غاب ليل وطلع نهار، وما بقي في الأمة قلب ينبض بمحبة المصطفى ﷺ.
نسأل الله أن يعيد علينا هذه المناسبة العطرة، وقد ازددنا تمسكًا بقيم نبينا، ومحبةً لآل بيته، وثباتًا على مبادئنا، وأن يحفظ الأردن عزيزًا آمنًا، ويحفظ القدس ومقدساتها، وأن يوفق الهاشميين لحمل أمانة الوصاية والدفاع عن الحق، وأن يجعلنا جميعًا من السائرين على نهج المصطفى، العاملين بسنته، المتمسكين بأخلاقه.



