ليس أصعب على النفس من أن ترى صرح الأمان يتآكل على مرأى ومسمع من الجميع، ولا أشد مرارة من أن تشهد مدخرات عرق السنين وهي تُسحب تباعاً لتغطية عجز عابر، وكأنها بئر لا قاع له. إن ما يجري اليوم مع صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي يتجاوز حدود الأرقام والبيانات المالية؛ إنه مساس مباشر بـ "حبل النجاة" الأخير، وشريان الأمان لمن أفنوا زهرة شبابهم وأعمارهم في خدمة هذا الوطن، وحق الأجيال القادمة التي لن تجد غداً ما يسند ظهرها إن استمر هذا النهج.
لقد كان الأمل معقوداً على أن تكون هذه الأموال حصناً منيعاً، ومظلة استثمارية سيادية تصنع المستقبل، تماماً كما أُريد من قبل لـ "صندوق الأجيال" وعائدات التخاصية التي تلاشت في غياهب التسيير والإنفاق دون أن تترك أثراً مستداماً. واليوم، يتكرر المشهد ذاته بسيناريو أشد وطأة؛ يد حكومية تتطاول بالاقتراض المستمر، وسندات تُثقل كاهل الصندوق حتى كاد يتحول من محفظة استثمارية تنموية للأردنيين إلى "صراف آلي" جاهز لسد الفجوات الآنية.
وأمام هذا النزيف المتواصل، تنبثق علامات استفهام بحجم الوطن وألمه:
أين القائمون على إدارة الصندوق، مجلساً وإدارة تنفيذية، من واجب الذود عن استقلالية هذه المؤسسة وكف اليد عن استنزاف أصولها؟ ألم يُؤتمنوا على حماية "قرش العامل" وتعظيمه لا تسييله في قروض حكومية استهلاكية؟
أين مجلس النواب من دوره الرقابي والتشريعي في مواجهة هذا التغول، ووضع خطوط حمراء تفصل بين مال الدولة العام وبين مدخرات عمال الوطن وموظفيه؟
أين الأحزاب التي تملأ الفضاء بالشعارات والبرامج، ألا ترى في استنزاف شريان الضمان قضية مصيرية تمس كل بيت وأسرة؟
أين النقابات المهنية والعمالية التي كان صوتها يملأ الأرجاء، لماذا انحسر ذلك الصوت وغاب الأثر؟
وأين مؤسسات المجتمع المدني وجمعيات المتقاعدين بمختلف أطيافها، كيف ركن الجميع إلى مقاعد المتفرجين وكأن الأمر يحدث في كوكب آخر، ولا يمس لقمة عيشهم واستقرار تقاعدهم؟
إن الصمت في هذه اللحظات ليس حكمة، بل هو شهادة وفاة بطيئة للأمان الاجتماعي. لقد آن الأوان لأن ترفع الحكومة يدها عن أموال الضمان، وأن تُعاد هيكلة العلاقة بين الخزينة وأموال المشتركين على أسس من الحوكمة الصارمة والاستقلالية التامة.
صندوق الضمان ليس فائضاً مالياً، بل هو تعب الآباء، وعرق الكادحين، ومستقبل الأبناء.. فلا تجعلوا الأجيال القادمة تستيقظ على خزائن خاوية ووعود مستهلكة. ارفعوا أيديكم عن الضمان.. ليبقى للوطن أمانه.



