حين نتأمل مفهوم "قانون التوجيه"، كما يطرحه الكاتب عبد الرزاق بلعقروز، بوصفه قانونا حضاريا نفتقده، وشرطا لإمكان تحويل الأفكار إلى تجليات في السلوك الفردي والاجتماعي، وربط الطاقات والجهود بالأهداف، ندرك قيمته في تنظيم الحياة وتحويل الفكر إلى ممارسة فعلية.
وقد تناول بلعقروزهذا المفهوم في مقالته المنشورة في «العربي الجديد»، مستشهدا بتجارب ومشاريع يرى فيها نموذجا لتطبيق قانون التوجيه، ومن بينها «الدليل الوطني للقراءة»، الذي يقدمه بوصفه خريطة ودليلا نحو البناء الفكري والمعرفي والوجداني.
لكن ماذا يحدث حين ننقل هذا المفهوم من سياقه الحضاري إلى الساحة السياسية؟ هنا تبدأ المفارقة؛ فما هو في أصله تنظيم للأفكار، والطاقات وتجميع للجهود من أجل غايات مشتركة، قد يتحول في الممارسة السياسية إلى تدخل في خيارات الأفراد وتوجيه للنتائج، فُتفرض مخرجات الصناديق مسبقا، وتتحول المؤسسات من حاضنات للوعي والمشاركة إلى هياكل جامدة بلا روح ولا حيوية.
وعند إسقاط هذه المفارقة على واقعنا السياسي، تبرز مسألة الأدوار الاستثنائية التي اضطلعت بها الأجهزة الأمنية، خاصة أن الرسالة الملكية عام 2021 أكدت أنه حان الوقت لاستعادة الاختصاصات الكاملة بعد تطوير أدوات المؤسسات صاحبة الاختصاص.
لكن الواقع، وبعد سنوات من تشكيل اللجنة الملكية لمنظومة التحديث السياسي، يشير إلى أن مظاهر التدخل الاستثنائي ما زالت حاضرة، مباشرة أو غير مباشرة، في مساحات العمل العام. ومع الإقرار بأن المشهد ليس محكوما بإرادة واحدة مطلقة، بل تتداخل فيه صراعات النخب وتناقض الإرادات، يبقى تأثير منظومة الضبط غير المعلنة حاضرا في رسم ملامح السيناريو النهائي.
ولم تقتصر هذه العقلية الوصائية على السياسة العامة، بل امتدت إلى مختلف مساحات التدريب الديمقراطي، كالنقابات والأحزاب والبلديات والاتحادات الطلابية، وصولا إلى البرلمانات المدرسية التي تجعل الصورة أكثر قسوة. فهذه المساحات ليست مجرد هياكل إدارية، بل هي مدارس يتدرب فيها المواطن على ثقافة المشاركة واحترام الاختيار وقبول الخسارة، وحين تخضع لتدخلات مسبقة يصبح المجتمع أكثر هشاشة.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في قرار إجراء الانتخابات ذاتها، بل في التحكم بمسارها مسبقا، والتعامل مع مخرجاتها بوسائل احتواء مختلفة، ناهيك عن توجيه خيارات الفائزين لاحقا لضمان عدم الخروج عن السيناريو المرسوم. وهي ممارسات، بلا شك، تفرغ الديمقراطية من جوهرها، وتحول الانتخابات إلى مجرد إجراء شكلي لإقرار نتائج محسومة سلفا.
وتتجلى خطورة هذا النهج حين يحتفى بالفائزين ما دامت نتائجهم منسجمة مع التوجيهات العامة، بينما تبدأ محاولات الضغط والاحتواء بمجرد أن تفرز الصناديق وجوها مغايرة للحسابات المتوقعة؛ إذ إن الديمقراطية ليست السماح للناس بالتصويت، ثم البحث عن طرق لتعديل خياراتهم.
ولعل السؤال هنا ليس فقط عن هذه الممارسات، بل عن الدوافع التي تقف وراءها: هل تعكس مخاوف بنيوية من فضاءات غير مأمونة، وضعفا في الثقة بقدرة القوى السياسية والمجتمعية على إدارة الاختلاف وتحمل مسؤوليته؟
فما الذي يمكن أن يفعله طفل صغير حتى يحتاج فوزه أو خسارته في انتخابات الفصل إلى توجيه؟ وهل أصبح مقعد ممثل الصف قضية استراتيجية تستدعي انحيازا؟ إن الطفل الذي يتعلم منذ صغره أن هناك من يقرر عنه سيكبر وهو يعتقد يقينا أن الانتخابات مسرحية باهتة، والصندوق مجرد أداة لإضفاء شرعية شكلية؛ وهو اعتقاد سيرافقه طوال حياته، ويحوله إلى حالة دائمة من عدم الثقة.
إن الاختبار الحقيقي للدولة الراسخة هو قدرتها على سماع الرأي المخالف، وقبول النتائج بقناعة لا باضطرار، والتعامل مع الاختلاف كجزء طبيعي من الحياة الديمقراطية، دون الحاجة إلى الهندسة المسبقة.
في النهاية، ليس السؤال الذي ينبغي أن يطرح هو: من فاز؟ بل: هل أتيح للجميع أن ينافسوا بحرية وكرامة؟ لأن الديمقراطية لا تقاس بمن وصل إلى المقعد، بل بحرية الطريق ومدى الاستعداد لقبول النتيجة.
إن أخطر ما يواجه المسار الديمقراطي ليس خسارة مقعد، بل صناعة جيل كامل يعتقد أن صوته بلا قيمة. فالديمقراطية تقبل النقابي المستقل، والبلدي المعارض، والطالب المعترض، والطفل صاحب الرأي المختلف، والدولة القوية تتسع لصاحب الرأي المخالف، لأن المجتمع الحي لا يحتاج إلى من يختار له دائما من يتحدث باسمه، ولأن الصوت الحر هو أساس الديمقراطية وجوهرها.
وللحديث تتمة.



