خبرني - زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين تحمل في تقديري أكثر من معنى؛ فهي ليست زيارة لتعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية بين الأردن والصين فحسب، وإنما فرصة للنظر إلى ما يحدث في العالم من حولنا، وإلى أين يتجه الاقتصاد والتكنولوجيا والتعليم، والأهم من ذلك: أين يجب أن يكون الأردن في هذا المشهد الجديد؟
ومن أكثر المشاهد التي تستوقفني في هذه الزيارة، زيارة جلالة الملك لشركة متخصصة في تصنيع الروبوتات في مدينة شنغهاي، والاطلاع على استخدامات هذه التكنولوجيا في الصناعة والخدمات اللوجستية والضيافة والأمن، إلى جانب تأكيد جلالته أهمية التعاون بين هذه الشركات والجامعات والمؤسسات الأردنية، خصوصًا في تطوير تطبيقات الروبوتات وتبادل الخبرات.
ثم جاءت زيارة جلالته في مدينة شنغن لعدد من الشركات التكنولوجية الصينية، وما رافقها من بحث في فرص التعاون في البحث والتطوير والابتكار والتحول الرقمي، لتؤكد أن التكنولوجيا لم تعد قطاعًا منفصلًا عن الاقتصاد، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من فرص النمو ومستقبل الدول.
وهنا أعتقد أن السؤال الذي يجب أن نطرحه في الأردن ليس فقط: ماذا شاهد جلالة الملك في الصين؟ بل السؤال الأهم: ماذا يمكن أن نتعلم نحن من هذه التجربة؟
العالم يتغير بسرعة كبيرة. الذكاء الاصطناعي لم يعد موضوعًا خاصًا بالباحثين والمبرمجين، والروبوتات لم تعد مجرد فكرة نراها في أفلام الخيال العلمي. نحن نشاهد اليوم تطبيقات حقيقية لهذه التقنيات في المصانع والمستشفيات والمطارات والخدمات اللوجستية والتعليم وغيرها من القطاعات.
والدول التي ستنجح في المرحلة المقبلة لن تكون فقط الدول التي تمتلك الموارد الطبيعية، وإنما الدول التي تمتلك المعرفة والبيانات والعقول والقدرة على الابتكار.
وهنا أرى أن الأردن يمتلك فرصة حقيقية.
قد لا نستطيع أن نقارن الأردن بالصين من حيث حجم السوق أو عدد المصانع والاستثمارات، وليس مطلوبًا منا ذلك أصلًا. لكن الأردن يمتلك عنصرًا بالغ الأهمية في هذه المعادلة: رأس المال البشري.
لدينا جامعات وكفاءات وشباب متميزون في الهندسة والبرمجة وتكنولوجيا المعلومات وإدارة الأعمال والبحث العلمي. والتحدي الحقيقي أمامنا هو كيف نحول هذه الطاقات إلى قيمة اقتصادية حقيقية، وكيف ننتقل من تخريج الطلبة إلى صناعة المعرفة، ومن استخدام التطبيقات الجاهزة إلى تطوير حلول أردنية قابلة للتطبيق والنمو والتصدير.
يمكن للأردن أن يطور حلولًا في مجالات الصحة والتعليم والزراعة والمياه والطاقة والنقل والسياحة والخدمات الحكومية، وأن تتحول الجامعات إلى شريك حقيقي للقطاع الخاص في البحث والتطوير، وأن يجد الشباب بيئة تساعدهم على تحويل أفكارهم إلى شركات ومشاريع قابلة للنمو.
وهنا يأتي دور التعليم، لأنه لا يمكن أن نتحدث عن مستقبل الذكاء الاصطناعي ونترك الجامعات خارج هذا التحول.
نحن بحاجة إلى إعادة النظر في بعض البرامج والمناهج الجامعية، ليس بإلغاء تخصصات إدارة الأعمال أو الاقتصاد أو الهندسة أو الطب وغيرها، وإنما بإضافة البعد الذكي إليها.
طالب إدارة الأعمال في المستقبل يجب أن يفهم الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، وطالب الهندسة يجب أن يتعامل مع الروبوتات والأنظمة الذكية، وطالب الطب يجب أن يعرف كيف يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في التشخيص وتحليل البيانات الصحية، وطالب الاقتصاد يجب أن يفهم اقتصاد البيانات.
بمعنى آخر، لا نحتاج فقط إلى متخصصين في الذكاء الاصطناعي، وإنما نحتاج إلى مجتمع يمتلك القدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات.
ومن هنا تأتي أهمية الجامعات الأردنية. فالاهتمام الملكي بالتعاون مع الشركات التكنولوجية والروبوتات الصينية يفتح أمام جامعاتنا فرصة كبيرة لبناء شراكات جديدة في البحث والتطوير.
لماذا لا نعمل على إنشاء مختبرات مشتركة للذكاء الاصطناعي والروبوتات؟ ولماذا لا تتوسع الشراكات بين الجامعات الأردنية والشركات الصينية في البحث والتطوير؟ ولماذا لا يتم تدريب الطلبة والباحثين الأردنيين في هذه الشركات، وتطوير تطبيقات مشتركة يمكن استخدامها في الأردن ثم تصديرها إلى المنطقة؟
هذه ليست أفكارًا بعيدة إذا ارتبطت بإرادة واضحة وشراكات حقيقية وتخطيط عملي.
وليس المطلوب من الأردن أن ينافس الصين في تصنيع الروبوتات أو حجم الصناعات التكنولوجية. المطلوب أن يستفيد من التجربة الصينية وأن يجد لنفسه موقعًا مناسبًا في الاقتصاد الجديد.
فموقع الأردن واستقراره وكفاءاته البشرية يمكن أن تساعده على أن يكون مركزًا إقليميًا للخدمات الرقمية وحلول الذكاء الاصطناعي، وأن يصدر البرمجيات والخدمات الرقمية، ويطور حلولًا للقطاع الحكومي، ويحتضن شركات ناشئة في الذكاء الاصطناعي، ويصبح مركزًا للتدريب والبحث والتطوير، ويربط الشركات العالمية بالأسواق العربية.
لكن الأهم هو ألا تنتهي هذه الأفكار بانتهاء الزيارة.
فالزيارة الملكية تفتح الأبواب، لكن علينا أن نعرف كيف ندخل من هذه الأبواب. نحن بحاجة إلى استراتيجية وطنية واضحة تربط بين الذكاء الاصطناعي والتعليم والجامعات والبحث العلمي والقطاع الخاص والاستثمار وريادة الأعمال.
نحتاج إلى مشاريع حقيقية، وليس فقط مؤتمرات، وإلى تطبيقات وليس فقط شعارات، وإلى شركات قادرة على النمو والتصدير، وليس فقط أفكارًا جميلة.
والأهم من ذلك كله، نحتاج إلى تطوير الإنسان الأردني ليكون قادرًا على المنافسة في سوق عمل لن يكون كما نعرفه اليوم.
وهنا أعتقد أن السؤال الأهم الذي يجب أن نبدأ بطرحه هو: ماذا نريد أن يكون الأردن بعد عشر سنوات؟
هل نريد أن نكون مجرد مستخدمين للذكاء الاصطناعي، أم نريد أن نطور بعض تطبيقاته؟ هل نريد أن نستورد التكنولوجيا فقط، أم نريد أن نشارك في إنتاج المعرفة؟ وهل نستطيع أن نبني اقتصادًا جديدًا يمنح شبابنا فرصة لإنشاء شركات تكنولوجية تصل منتجاتها إلى الأسواق العربية والعالمية؟
هذه ليست أسئلة ترف فكري، بل أسئلة ترتبط مباشرة بمستقبل الاقتصاد الأردني والتعليم وسوق العمل.
ما نشهده خلال زيارة جلالة الملك إلى الصين، وخاصة اهتمام جلالته بالروبوتات والابتكار والتحول الرقمي والتعاون مع الجامعات والمؤسسات الأردنية، يجب أن يدفعنا إلى التفكير بطريقة مختلفة.
ليس مطلوبًا أن نصبح الصين. المطلوب أن نتعلم من التجربة الصينية، وأن نبني نموذجًا أردنيًا خاصًا بنا، يقوم على الإنسان الأردني والجامعة الأردنية والشركات الأردنية والشراكات الدولية.
فمستقبل الأردن لن يعتمد فقط على ما نمتلكه اليوم، وإنما على قدرتنا على الاستعداد لما سيحتاجه العالم غدًا.
ومن هنا، فإن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي ليس استثمارًا في التكنولوجيا فقط، بل هو استثمار في مستقبل الأردن



