خبرني - لنتخيل رجلاً تائهاً في الصحراء مضت عليه ساعات طويلة من دون طعام، أنهكه السير، وجف حلقه، ولم يعد يفكر في شيء سوى لقمة تبقيه واقفاً، لمح من بعيد طعاماً تركه أحد العابرين وأسرع نحوه، جلس على الرمل، ومد يده إلى أول لقمة، وقبل أن تصل إلى فمه، سمع زئيراً.
رفع رأسه فرأى أسداً يقترب وفي لحظة واحدة اختفى الطعام من وعيه، لم يقل لنفسه إن الجوع يأتي أولاً في هرم الاحتياجات، ولم يحاول إنهاء اللقمة لأن جسده يحتاج إلى السعرات.
قام بترك كل شيء وركض، فكان جائعاً قبل ظهور الأسد، وبقي جائعاً بعده، لكن حاجة واحدة سيطرت على جسده كله: أن ينجو، فهذا الرجل لم يختر الأمان على الطعام بعد موازنة هادئة، جسده اختار عنه وحين شعر بالخطر، أصبحت المعدة الجائعة أقل إلحاحاً من قلب يتأهب للهرب.
نحن نحب «هرم الاحتياجات» لأنه يمنح الحياة ترتيباً مريحاً: الطعام والماء أولاً، ثم الأمان، ثم الحب والانتماء، وبعدها التقدير وتحقيق الذات، هكذا تُختصر نظرية عالم النفس الأمريكي أبراهام ماسلو في شكل بصري يعرفه طلاب المدارس وموظفو الموارد البشرية ومتابعو دورات تطوير الذات.
ومن هذه الصحراء المتخيلة يبدأ السؤال المزعج: هل يأكل الإنسان حقاً قبل أن يشعر بالأمان؟ وهل تختلف استجابة أجسادنا كثيراً حين لا يكون «الأسد» حيواناً نراه، وإنما مديراً نخشى اتصاله، أو علاقة نترقب انفجارها، أو خبراً نتوقع أن يقلب حياتنا؟
بيولوجياً، لا خلاف على أن الطعام ضرورة للبقاء، غير أن الضرورة لا تعني دائماً القدرة، فالإنسان تحت التهديد قد يفقد شهيته، ويضطرب نومه، وتتقلص قدرته على الهضم، ويصبح جسده منشغلاً بالنجاة أكثر من انشغاله بالتعافي، وقد يكون الطعام موجوداً لكن الجسد يرفض الانتقال من حالة الدفاع إلى حالة الاستقبال.
هنا تظهر «نظرية تعدد حالات العصب الحائر» التي وضعها عالم الأعصاب الأمريكي ستيفن بورجس.
وتنطلق النظرية من أن جهازنا العصبي لا ينتظر منا تقريراً واعياً ليقرر إن كان العالم آمناً، فهو يلتقط، في أجزاء من الثانية، نبرة صوت، وتعبير وجه، وحركة مفاجئة، وصمتاً ثقيلاً، وذاكرة قديمة أيقظها مشهد عابر، وأطلق بورجس على هذه العملية اسم «الاستشعار العصبي»، أي رصد إشارات الأمان والخطر من دون قرار واعٍ كامل.
هذه الفجوة بين ما نعرفه وما نشعر به تفسر جانباً من سلوك يبدو من الخارج غير منطقي، فلماذا يعجز طفل عن تناول فطوره قبل الذهاب إلى مدرسة يخشاها؟ ولماذا تفقد موظفة شهيتها قبل اجتماع مع مدير يهينها؟ ولماذا يمرض إنسان في علاقة لا تتضمن عنفاً ظاهراً، لكنها تجعله مترقباً لكل كلمة؟ ولماذا لا تكفي النصائح عن النوم والغذاء والرياضة حين يعيش صاحبها كما لو أن إنذاراً داخلياً لا يتوقف؟ ربما لأن الجسد يؤدي وظيفته بإخلاص زائد ويحمي صاحبه حتى من خطر انتهى، أو من خطر لا يستطيع الآخرون رؤيته.
حين نقول «الأمان»، يتبادر إلى الذهن بيت مغلق، وراتب ثابت، وشارع بلا جريمة، لكن الأمان النفسي أدق من ذلك، فقد يكون الإنسان آمناً وفق كل المؤشرات الخارجية، ولا يشعر بالأمان في داخله، وقد يعيش آخر ظرفاً صعباً، لكنه يجد في علاقة موثوقة ما يساعد جهازه العصبي على استعادة توازنه.
ولا يقاس الأمان بالطعام والملابس وحدهما في الأسرة، فيحتاج الطفل إلى أن يعرف أن خطأه لن يسحب منه الحب، وأن صوته لن يجعله عبئاً، وأن عودته إلى البيت لا تحتاج إلى استعداد نفسي.
وفي العمل، لا تكفي بطاقة التأمين الصحي إذا كان الموظف يخشى أن يدفع ثمن كل سؤال أو اعتراض أو اعتراف بعدم المعرفة.
هناك موظفون يدخلون مكاتبهم كل صباح وهم يشعرون أن قرار فصلهم قد يصل في أي لحظة، لا أحد قال لهم صراحة إنهم سيغادرون، لكن الإشاعات لا تتوقف، والتقييمات غامضة، والمدير يلوّح بالاستبدال، ورسالة قصيرة منه تكفي لتسريع نبضات القلب.
يتقاضى الموظف راتبه، ويملك مكتبه وبطاقته الوظيفية، ولا يشعر أن الأرض ثابتة تحته، فيبدأ يومه بمراقبة الوجوه، ويقرأ كل اجتماع على أنه محاكمة محتملة، ويؤجل التزاماته لأنه لا يعرف إن كان سيملك دخلاً في الشهر المقبل.
هذا النوع من الخوف لا يبقى عند باب المكتب، يعود مع صاحبه إلى البيت، يجلس معه إلى المائدة، يوقظه في منتصف الليل، ويجعله أقل صبراً مع من يحب.
وقد لا يُفصل الموظف في النهاية، ومع ذلك يكون قد عاش أشهراً كاملة كأنه يُفصل كل يوم، فالوظيفة موجودة على الورق، والأمان غائب في التجربة.
هنا يصبح الأمان بنية تحتية غير مرئية للأكل والنوم والتعلم والإبداع والثقة، فالدماغ الذي يراقب الباب باستمرار لا يملك المساحة نفسها التي يملكها دماغ مطمئن كي يفكر ويبتكر ويتواصل.
إذا غاب الأمان غاب الإنسان، هو لا يختفي مرة واحدة، ولا يلاحظه من حوله فوراً، يغيب جزءاً بعد جزء: صوته أولاً، ثم شهيته، ثم نومه، ثم رغبته في الاقتراب من الآخرين.
ويتحول من شخص يريد أن يعيش إلى شخص يتقن النجاة وقد يمدحه الناس لأنه هادئ ومطيع ويتحمل الكثير، فيما هو في داخله يتضاءل كي لا يثير غضباً أو يخسر حباً أو يفقد وظيفة.
الأمان يعيد الإنسان إلى نفسه، ففي حضوره لا يحتاج إلى مراقبة كل حركة، ولا إلى ارتداء نسخة مقبولة منه طوال الوقت، يستطيع أن يقول «لا أعرف»، وأن يخطئ، وأن يطلب المساعدة، وأن يختلف من دون أن يشعر بأن العلاقة كلها أصبحت مهددة، عندها يعود إلى الطعام طعمه، وإلى البيت معناه، وإلى العمل قدرته على الخلق، وإلى الحب دفؤه.
ولكن ينبغي ألا نستبدل هرماً مبسطاً بعقيدة مبسطة أخرى، فنظرية بورجس مؤثرة في العلاج النفسي وفهم الصدمات، إلا أن بعض تفاصيلها التشريحية والتطورية موضع نقاش علمي جاد.
وقد انتقد باحثون، من بينهم عالم الفسيولوجيا بول غروسمان، عدداً من مقدماتها الأساسية.
كذلك لا يجوز تفسير كل مرض أو اضطراب هضمي أو فقدان شهية بأنه نتيجة «غياب الأمان»، فهذه أعراض قد تكون لها أسباب طبية تستوجب التشخيص والعلاج، ما نعرفه بثقة أكبر هو أن الضغط النفسي المزمن يتفاعل مع الشهية والنوم والمناعة والجهاز الهضمي، وأن الإنسان ليس عقلاً منفصلاً عن جسده.
وكتب ماسلو عن تدرج للاحتياجات، لكنه أقر أيضاً بأن ترتيبها ليس جامداً لدى جميع البشر، وأن أكثر من حاجة يمكن أن تحرك الإنسان في الوقت نفسه، والتاريخ مليء بمن خاطروا بطعامهم وأجسادهم دفاعاً عن الكرامة أو الحب أو العقيدة، والأمهات والآباء يعرفون أن إنساناً قد يقدم سلامة أبنائه على جوعه. الواقع لم يكن يوماً مرتباً كشرائح العرض.
لعل الخطأ الذي نقع فيه ليس في وضع الطعام قبل الأمان أو الأمان قبل الطعام، الخطأ أن نتصور الإنسان وهو يصعد سلماً ثابتاً درجة بعد درجة، بينما في الحقيقة حاجاتنا تتشابك: الطعام قد يمنح الأمان، والأمان قد يسمح لنا بالأكل، والعلاقة الآمنة قد تعيد إلى الجسد شهيته، وقد يحول الخوف أشهى مائدة إلى شيء لا يُحتمل.



