في الأردن، تتوالى دعوات بعض نواب البرلمان الاردني لمنع الحفلات الفنية، ورفض الترويج للاردن سياحيا من خلال الفنون، حيث طالب البعض بحظر مهرجان جرش وفرض "لجان للذوق العام" في كل بلدية من بلديات محافظات المملكة.
حين يخرج نائب للمطالبة بمنع مهرجان جرش، أو بفرض "لجان للذوق العام" في البلديات، فإن المسألة تتجاوز مهرجانًا أو حفلة أو فنانًا بعينه. نحن أمام تصور خطير للمجتمع، يرى أن هناك ذوقًا واحدًا صحيحًا، وقيمًا واحدة يجب أن يخضع لها الجميع، وأن من يمتلك موقعًا سياسيًا أو دينيًا أو اجتماعيًا يملك بالضرورة حق تحديد ما يجوز للناس أن يسمعوه ويروه ويستمتعوا به.
المشكلة أن "الذوق العام" بهذه الصيغة ليس حقيقة موضوعية يمكن الإمساك بها وقياسها ووضعها في قانون. الذوق ليس قانونًا طبيعيًا، ولا حقيقة رياضية، ولا معيارًا ثابتًا نزل على المجتمع دفعة واحدة. الذوق نتاج الإنسان: يتشكل من التربية، والبيئة، والثقافة، والتجربة، والفكر، والمعتقد، والمدينة والقرية، والجيل، والذاكرة، وحتى من طبيعة العلاقة التي يقيمها الإنسان مع العالم من حوله.
ما يراه شخص راقيًا قد يراه آخر مبتذلًا، وما يعتبره إنسان فنًا عظيمًا قد لا يعني لغيره شيئًا، وما يثير في شخص إحساسًا بالجمال قد يثير في آخر النفور. هذه ليست مشكلة في المجتمع، بل هي المجتمع نفسه. الاختلاف في الذائقة ليس خللًا يحتاج إلى إصلاح، وإنما إحدى صور التنوع الإنساني.
والأخطر من محاولة تعريف الذوق العام هو تحويل ذوق فئة معينة إلى معيار ملزم للجميع. هنا لا تعود الدولة حامية للناس، بل تتحول إلى وصي على عقولهم وحواسهم. يصبح ذوق الأكثر تشددًا هو القانون، وتتحول قناعات جماعة ما إلى مقياس أخلاقي يُفرض على مجتمع كامل، حتى على أولئك الذين لا يتبنون تلك القناعات.
الدولة الحديثة لا يفترض أن تقول للمواطن ماذا يحب، وما الموسيقى التي يسمعها، وما الفن الذي يراه، وما المهرجان الذي يذهب إليه، ما دام الأمر لا يتضمن اعتداءً على حقوق الآخرين أو مخالفة واضحة للقانون. وظيفة الدولة أن تحمي المجال العام للجميع، لا أن تصنع إنسانًا واحدًا على مقاس رؤية واحدة.
ومن العبث أصلًا التعامل مع الفن باعتباره ترفًا زائدًا يمكن شطبه متى ارتفعت أصوات الاعتراض عليه. الفن جزء من صورة أي مجتمع عن نفسه، وهو صناعة وثقافة واقتصاد وسياحة وذاكرة جماعية. مهرجان جرش، بكل ما يمكن أن يُقال عنه من نقد أو ملاحظات، ليس مجرد منصة لإقامة الحفلات. إنه جزء من المشهد الثقافي والسياحي للأردن، وإغلاق الأبواب أمام الفن بحجة حماية الذوق يشبه إطفاء مصباح المدينة ثم الادعاء بأن العتمة دليل على الفضيلة.
يمكن لأي إنسان أن يرفض فنانًا، أو حفلة، أو لونًا موسيقيًا، أو سلوكًا يراه غير مناسب. من حقه أن يقاطع وأن ينتقد وأن يعبر عن رأيه. لكن الانتقال من "أنا لا أحب هذا" إلى "يجب منع الجميع منه" هو انتقال من الحرية الشخصية إلى الوصاية. والفارق بين الجملتين هو الفارق بين مجتمع يحترم أفراده ومجتمع يريد أن يعيد تشكيلهم بالقوة.
حتى الأخلاق نفسها ليست ملفًا مغلقًا يملكه طرف واحد. المجتمعات تتغير، وتتطور، وتعيد النظر في كثير من تصوراتها عن الجمال والحرية والفن والسلوك. ما كان مستهجنًا في زمن قد يصبح عاديًا في زمن آخر، وما كان يمثل ذروة الحداثة في جيل سابق قد يبدو اليوم قديمًا ومملًا. الإنسان لا يعيش خارج التاريخ، والذوق لا يعيش خارج الزمن.
ولذلك فإن أخطر ما في فكرة "لجان الذوق العام" ليس اللجنة ذاتها، بل الفكرة الكامنة وراءها: أن هناك من يعتقد أنه مؤهل ليقرر عن الآخرين كيف يجب أن يكون المجتمع. ومن هنا تبدأ الوصاية، ثم تتوسع الوصاية، حتى يصبح الاختلاف نفسه تهمة، ويصبح التنوع خروجًا عن المقبول، ويصبح المجتمع مطالبًا بأن يتذوق بعين واحدة ويسمع بأذن واحدة ويفكر بعقل واحد.
الأردن ليس ملكًا لذائقة واحدة، ولا لفئة واحدة، ولا لرؤية اجتماعية واحدة. فيه المحافظ والمنفتح، والمتدين والعلماني، والريفي والمدني، والشاب والكبير، ومن يحب الطرب ومن يحب الروك ومن يفضل الموسيقى الشعبية ومن لا يهتم بالموسيقى أصلًا. هذه التعددية ليست فضيحة ينبغي إخفاؤها، بل حقيقة ينبغي احترامها.
ومن يريد حماية قيمه يستطيع أن يفعل ذلك من دون مصادرة قيم الآخرين. يستطيع أن يربي أبناءه بالطريقة التي يؤمن بها، وأن يختار ما يشاهده وما يسمعه، وأن يعترض على ما لا ينسجم مع قناعاته. أما أن تتحول قناعته الخاصة إلى قرار إداري يحدد للناس ما يجوز لهم رؤيته وسماعه، فذلك ليس حماية للذوق العام، بل إلغاء للذوق الخاص.
ليس هناك ذوق عام واحد. هناك أذواق عامة متعددة، تتجاور وتتعارض وتتفاعل وتنتصر أحيانًا وتخسر أحيانًا. وكل محاولة لصهرها في قالب واحد ليست دفاعًا عن المجتمع، وإنما عدوان على طبيعته.
الفن لا يحتاج إلى إذن من أصحاب الوصاية كي يوجد، والمجتمع لا يحتاج إلى لجنة تخبره ماذا يحب. ما يحتاجه الأردن هو فضاء عام يتسع للاختلاف، وقانون يحمي الجميع، ونقاش نقدي حر، لا سلطة جديدة تفتش في الموسيقى والملابس والمسرح والحفلات بحثًا عن ذائقة واحدة تريد فرضها على بلد كامل.
فالذي يريد أن يمنع الآخرين من الفن لأنه لا يعجبه، لا يحمي ذوق المجتمع؛ إنه يحاول أن يجعل المجتمع نسخة من ذوقه.



