سبع سفن فقط!
هذا ما عبر مضيق هرمز يوم الخميس.
أربع دخلت.
وثلاث خرجت.
وفي اليوم السابق كان العدد 14.
لا توجد بين سفن الخميس ناقلة نفط خام كبيرة، ولا ناقلة غاز طبيعي مسال كبيرة.
وهنا تبدأ الحكاية.
لأن هرمز لا يحتاج إلى أن يغلق تماما حتى يهتز العالم.
يكفي أن يصبح العبور فيه مخاطرة.
عندها يتحول المضيق من طريق بحري إلى سؤال اقتصادي.
ومن سؤال اقتصادي إلى فاتورة.
ومن فاتورة إلى سياسة.
ثم تصل الحرب إلى البيت من الطريق الذي لا تراه العيون: الفاتورة!
قبل الحرب كانت قرابة خمس شحنات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال العالمية تمر عبر هذا الممر.
أما الآن، فقد انكمشت حركة السفن المرئية إلى أرقام أحادية.
والتفصيل الذي ينبغي ألا نغفله أن أجهزة التتبع لا ترى السفن التي تطفئ مرسلاتها.
لذلك فالسبعة ليسوا بالضرورة كل السفن.
لكنهم يكفون.
يكفون لنعرف أن البحر الذي كان يعج بالحركة صار يحسب خطواته.
والسفن التي كانت تعبر لأنها تستطيع، صارت تفكر قبل أن تعبر لأنها تخاف.
وهنا تبدأ الجغرافيا في كتابة السياسة!
النفط فهم الرسالة بسرعة.
برنت بلغ الجمعة نحو 93.97 دولارا للبرميل، متجها إلى ثاني ارتفاع أسبوعي متتال.
السوق لا يحتاج إلى فقدان كل النفط.
يكفيه أن يخاف من فقدانه.
وهذه هي قوة هرمز!
المضيق لا يرفع السعر لأنه يحمل النفط فقط.
يرفعه لأنه يحمل الخوف من النفط الذي قد لا يصل.
وهذه نقطة لا تظهر في البرميل.
تظهر في التأمين.
وفي أجرة الناقلة.
وفي الطريق البديل.
وفي زمن الرحلة.
ثم تصل أخيرا إلى محطة الوقود.
الحرب قد تكون على بعد آلاف الكيلومترات.
لكنها تستطيع أن تصل إلى جيب المواطن قبل أن يصل إليه خبرها.
الصاروخ قرار دولة.
أما فاتورة الوقود فقرار ناخب!
وفي طهران، الحساب أكثر قسوة.
الصادرات الإيرانية المنقولة بحرا هبطت في أغسطس إلى نحو 534 ألف برميل يوميا.
المتوسط في 2025 كان قرابة 1.4 مليون.
والعروض الإيرانية إلى المشترين الصينيين تراجعت.
والمخزون العائم الإيراني خارج منطقة الحصار انخفض من نحو 105 ملايين برميل إلى قرابة 80 مليونا.
وفي آسيا بقي نحو 30 مليونا.
حتى المصافي الصينية بدأت تبحث عن بدائل من العراق والبرازيل.
هنا لا تخسر إيران النفط فقط.
بل تبدأ في خسارة الاعتياد على نفطها!
وهذه خسارة أعمق!
لأن المشتري الذي يتعلم كيف يدبر أموره من دونك، لا يعود إليك بالضرورة بالشروط نفسها.
لكن إيران تملك ورقة لا تستطيع العقوبات مصادرتها:
الجغرافيا!
تقف على ضفة هرمز.
والجغرافيا لا تحتاج إلى تحويل مصرفي.
ولهذا تستطيع طهران أن تجعل الضغط عليها يرتد على الآخرين.
كلما ضاق عليها التصدير، اتسعت حساسية السوق.
وكلما ارتفعت كلفة خنقها، ارتفعت كلفة العالم.
غير أن الجغرافيا، حين تتحول إلى سلاح، تبدأ في تعليم الآخرين كيف يستغنون عنها!
لأن العالم لا يحب الاعتماد على الطريق الذي يخاف منه.
فيبدأ ببناء طرق أخرى.
ومصادر أخرى.
ومخازن أكبر.
وعقود أكثر تنوعا.
قد تغلق الطريق على خصمك اليوم، فتدفعه غدا إلى البحث عن عالم لا يحتاج إلى طريقك!
وهنا تتحول القوة الجغرافية إلى سلاح له تاريخ انتهاء!
واشنطن تعرف ذلك.
ولهذا انتقلت المعركة إلى الخزانة!
وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أعلن أن واشنطن تستعد لما وصفه بأنه «أقسى عقوبات في التاريخ» على إيران، مع إعلان التفاصيل الأسبوع المقبل.
العقوبات هذه المرة ليست مجرد عقوبة.
هي محاولة لتجفيف الزمن!
أن يصبح كل يوم إضافي من الحرب أكثر إيلاما لطهران.
لكن الزمن لا يخضع دائما لمن يفرض العقوبات.
الزمن ينحاز إلى من يستطيع الاحتمال أطول!
وهنا تدخل واشنطن في الحساب نفسه الذي تفرضه على طهران:
كم تستطيع إيران أن تتحمل؟
ثم:
كم يستطيع العالم أن يتحمل إيران وهي تحت الضغط؟
ثم:
كم تستطيع أمريكا أن تتحمل كلفة الضغط الذي تفرضه؟
في إيران، التضخم المرتفع والضغط على العملة والأسعار والمعيشة يصنعون أرضا اجتماعية شديدة الحساسية.
لكن الأزمة الاقتصادية لا تترجم آليا إلى انهيار سياسي.
قد تصنع غضبا.
وقد تصنع احتجاجا.
وقد تصنع هجرة.
وقد تصنع خوفا.
وقد تصنع، في زمن الحرب، التفافا حول الدولة.
حين يشعر المواطن أن الخارج يحاصره، يستطيع النظام أن يعيد تعريف الألم:
ليس فشلا داخليا فقط.
بل ثمنا للمواجهة.
وهنا تصبح العقوبة سيفا ذا حدين.
تؤلم المجتمع، لكنها قد تمنح السلطة رواية لتفسير الألم!
ولهذا فإن شدة العقوبات ليست هي السؤال.
السؤال:
هل تتحول الشدة إلى نتيجة سياسية؟
وهذه هي العقدة الأمريكية أيضا.
تستطيع واشنطن أن تضغط على النفط الإيراني.
لكنها لا تستطيع أن تمنع سعر النفط العالمي من الارتفاع.
تستطيع أن تحاصر اقتصاد طهران.
لكنها لا تستطيع أن تحاصر فاتورة المواطن الأمريكي.
تستطيع أن تطيل الحرب.
لكنها لا تستطيع أن تجعل الناخب ينسى تكلفة الحرب.
وهنا تصبح السياسة الداخلية جزءا من الحرب الخارجية.
لأن حاملة الطائرات لا يصوت.
والصاروخ لا يصوت.
والناقلة لا تصوت.
الناخب وحده يفعل!
ومن هنا تصبح المفاوضات أكثر أهمية.
ليس لأنها جميلة.
وليس لأنها أخلاقية فقط.
بل لأنها في لحظة معينة تصبح أقل كلفة من استمرار القوة!
انتهت في 17 أغسطس المهلة المرتبطة بالتفاهم الذي كان قد أُعلن في يونيو، من دون اختراق يعيد الوضع إلى مساره السابق.
وبقيت الاتصالات والوساطات في الخلفية.
لكن المشكلة ليست أن الطرفين لا يعرفان طريق المفاوضات.
المشكلة أن كلا منهما يريد أن يدخلها من باب القوة.
ويخرج منها بصورة المنتصر.
وهذا أصعب أنواع التفاوض.
أن تحتاج إلى اتفاق.
وتحتاج في الوقت نفسه إلى أن تقنع شعبك أنك لم تكن بحاجة إليه.
السياسة هنا ليست أن تجد مخرجا فقط.
بل أن تجد مخرجا لا يبدو كأنه هزيمة!
ولهذا فإن ميزان الربح والخسارة لا ينبغي أن يقاس بعدد الضربات.
ولا بعدد العقوبات.
ولا بعدد السفن.
السؤال الحقيقي أبعد:
من يستطيع أن ينهي الحرب وهو أقرب إلى أهدافه مما كان يوم بدأها؟
إيران قد تخسر النفط.
لكن إذا احتفظت بقدرتها على التفاوض، فلم تخسر كل شيء.
أمريكا قد تفرض أقسى العقوبات.
لكن إذا لم تحول الضغط إلى نتيجة سياسية، فليست كل قوة انتصارا.
والعالم قد يتجنب الانهيار الكامل في أسواق الطاقة.
لكن إذا اعتاد على هرمز مضطربا، فسيدفع ثمن ذلك حتى بعد توقف الحرب.
وهنا تقع المفارقة الكبرى:
قد يربح الطرفان معركة، ويخسران القدرة على إنهاء الحرب!
وهذا هو الخطر الحقيقي.
أن تتحول الحرب من حدث إلى حالة.
والمضيق من ممر إلى ورقة.
والنفط من سلعة إلى سلاح.
والسوق من فضاء حر إلى رهينة.
والمنطقة كلها إلى مساحة انتظار.
عندها لا يعود العالم يسأل:
متى تنتهي الحرب؟
بل يبدأ بالسؤال:
كيف نتعايش معها؟
وهذه لحظة أخطر بكثير.
لأن الحرب التي يتعلم العالم التعايش معها تصبح أصعب من الحرب التي يخشاها!
أما الأردن، فلا يملك ترف النظر إلى المشهد من خلف الزجاج.
كل اضطراب طويل في الطاقة أو النقل أو التأمين أو التجارة يصل في النهاية إلى اقتصاد شديد الحساسية للكلف.
ولذلك فإن المصلحة الأردنية ليست في أن ينتصر الأمريكي أو الإيراني.
المصلحة الأردنية في شيء أكثر واقعية:
أن تنتهي الحرب قبل أن تتحول كلفتها إلى نظام إقليمي جديد!
فالفاتورة المؤقتة يمكن احتمالها.
أما إعادة تشكيل المنطقة على أساس الخوف الدائم، فهذه فاتورة أخرى!
تستطيع أمريكا أن تجعل إيران تدفع.
وتستطيع إيران أن تجعل العالم يدفع جزءا من ثمن الضغط عليها.
لكن هناك شيئا لا يستطيع أي طرف امتلاكه وحده:
نهاية الحرب.
النهاية لا يصنعها الطرف الأكثر صراخا.
ولا الطرف الأكثر قصفا.
ولا الطرف الأكثر عقوبات.
يصنعها الطرف الذي يعرف اللحظة التي تصبح فيها القوة أقل قيمة من استخدامها على طاولة التفاوض.
وهنا يتغير معنى القوة كله.
القوة أن تستطيع إشعال النار.
والقوة الأكبر أن تعرف كم ستكلفك النار!
لكن القوة التي تحفظ الدولة حقا هي أن تعرف:
متى تطفئها!
سبع سفن عبرت هرمز الخميس.
وقد تعبر غدا أكثر.
وقد تعبر أقل.
لكن التاريخ لن يتوقف طويلا عند الرقم.
سيتوقف عند اللحظة التي يدرك فيها الطرفان أن البحر يمكن أن يضيق، والنفط يمكن أن يغلى، والعقوبات يمكن أن تشتد، والجيوش يمكن أن تضرب...
لكن لا أحد يستطيع أن ينتصر على فاتورة الحرب إلى الأبد!
وعندما تصبح كلفة الاستمرار أكبر من كلفة التراجع، لا يعود التفاوض تنازلا.
يصبح التفاوض شكلا آخر من أشكال القوة!
ومن يكتشف هذه الحقيقة أولا...
قد يكون هو من ربح الحرب التي لم يستطع أحد أن يربحها كلها.على الأقل حتى الآن!



