*
الخميس: 20 أغسطس 2026
  • 20 أغسطس 2026
  • 18:09
العين عبلة العماوي تكتب عن مراحل البناء وانتقال الأثر برؤية التحديث الاقتصادي 
الكاتب: العين الدكتورة عبلة العماوي

خبرني - قالت العين الدكتورة عبلة العماوي إن المرحلة الأولى من رؤية التحديث الاقتصادي أسهمت في بناء قدرات اقتصادية ومؤسسية عززت موقع الأردن في عدد من المؤشرات الدولية، إلا أن التحدي في المرحلة المقبلة يتمثل في ضمان انتقال أثر هذه التحسينات إلى حياة المواطنين والأسر الأردنية، من خلال تحويل النمو والقدرة التنافسية والابتكار إلى فرص عمل إنتاجية، ودخل أفضل، وتحسن ملموس في مستوى المعيشة.


وأضافت العين العماوي، في ورقة حول أولويات المرحلة الثانية من رؤية التحديث الاقتصادي وآليات انتقال أثر الإصلاح إلى الأسرة الأردنية، أن تحسن مؤشرات التنافسية والابتكار والرقمنة واللوجستيات لا ينبغي أن يكون الغاية بحد ذاته، بل يجب أن يقترن بقياس واضح للأثر الاقتصادي والاجتماعي على الأسر، مشيرة إلى أن المرحلة الثانية ينبغي أن تركز على ردم الفجوة بين مؤشرات أداء الاقتصاد الكلي وواقع معيشة المواطنين.


وتاليا نص الورقة التي قدمتها العين الدكتورة عبلة العماوي:
والتي حملت عنوان (المرحلة الأولى لرؤية التحديث الاقتصادي بنت القدرة؛ المرحلة الثانية يجب أن تبني آلية انتقال الأثر).

تضع رؤية التحديث الاقتصادي الأردن أمام مفارقة استراتيجية حاسمة؛ فبينما تُظهر مؤشرات دولية رئيسية تحسناً في التنافسية والابتكار والمعرفة والحكومة الرقمية واللوجستيات، يواجه المواطن واقعاً معيشياً أكثر تعقيداً. 

تقدم الأردن إلى المرتبة 47 عالمياً في التنافسية عام 2025، وإلى 65 في الابتكار، كما تحسن في الحكومة الإلكترونية والجاهزية الرقمية والأمن الغذائي. لكن المؤشرات نفسها تكشف فجوة داخلية: ففي مؤشر الجاهزية الشبكية، تتقدم قدرات التكنولوجيا والأفراد على "الأثر"، وفي الابتكار تتفوق المؤسسات وتعقيد الأعمال على رأس المال البشري والبحث والبنية التحتية. 

التحدي، إذن، لم يعد بناء القدرة فقط، بل تحويلها إلى إنتاجية وفرص عمل ودخل ورفاه. وفي هذا المشهد، تظل الأسرة الأردنية المتوسطة تبحث عن إجابات لأسئلتها الجوهرية: أين هي فرص العمل الإنتاجية؟ ولماذا لا تشعر كثير من الأسر بأن نمو الدخول يواكب تحولات تكاليف المعيشة؟


لا تعكس هذه الفجوة بالضرورة إخفاقاً في المسار، بل نقطة التحول التي يجب أن تبدأ عندها المرحلة الثانية؛ فإذا كانت المرحلة الأولى قد أرست أساساً اقتصادياً ومؤسسياً أكثر قدرة على المنافسة، فإن المرحلة الثانية يجب أن تجعل انتقال أثر النمو إلى الأسرة محوراً صريحاً للقياس والتنفيذ.
وتبقى الضغوط الهيكلية كبيرة. 

صحيح أن الدين، بعد استثناء ما يحمله صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي، بلغ 83.1% من الناتج المحلي الإجمالي المقدر لعام 2026، وأن التضخم ظل معتدلاً عند 1.88% خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام، لكن الاستقرار الكلي لا يعني تلقائياً تحسناً مماثلاً في الأمان الاقتصادي للأسر. فالبطالة بين الأردنيين بلغت 21.1% في الربع الأول من 2026 (15 سنة فأكثر ذكوراً وإناثاً)، وارتفعت بين الأردنيات إلى 32.7%.

ويبلغ معدل الشباب بين 15 و29 عاماً خارج العمل والتعليم والتدريب 35.3% وفق بيانات 2023، ويرتفع إلى 45.4% بين الشابات؛ ومن المهم أن 66.7% من الشباب المصنفين ضمن فئة خارج العمل والتعليم والتدريب كانوا خارج قوة العمل، وليسوا عاطلين عن العمل. وفي الوقت نفسه، لا يزال الاقتصاد غير المنظم يمثل نحو نصف العمالة، ما يزيد مخاطر عدم استقرار الدخل وضعف الحماية الاجتماعية لكثير من العاملين.

وتتجاوز المسألة سوق العمل. فقد تلقى 248,912 أسرة، تضم 1,159,438 فرداً (حوالي 13.48% من السكان)، مساعدات نقدية شهرية من صندوق المعونة الوطنية في 2025؛ وهي علامة على اتساع قدرة الدولة على الحماية، وفي الوقت نفسه تذكير بحجم الأسر التي تحتاج إلى تحويلات اجتماعية لتعزيز قدرتها على مواجهة الهشاشة الاقتصادية.

وفي التعليم، وبرغم الرصيد التاريخي الإيجابي للأردن في مؤشر التنمية البشرية، تكشف جودة المخرجات عن تحدٍّ نوعي؛ إذ لم يحقق سوى 17.0% من الطلبة الأردنيين في سن الخامسة عشرة مستوى الكفاءة الأساسي في الرياضيات لعام 2022 وفق البرنامج الدولي لتقييم الطلاب، مقابل 69.0% في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وفي النقل، قدّر البنك الدولي كلفة أوجه القصور بنحو 3 مليارات دولار سنوياً، أو ما لا يقل عن 6.0% من الناتج المحلي، مع آثار إضافية على مشاركة النساء والشباب في سوق العمل. 

أما المياه، فالوصول لا يعني دائماً خدمة موثوقة؛ إذ تتسم الإمدادات بالتقطّع، ويقدّر البنك الدولي فاقد المياه بنحو 51.0%، فيما تبلغ حصة الفرد من المياه العذبة المتجددة 61 متراً مكعباً سنوياً فقط.

هذه الصورة تفسر لماذا لا يكفي أن نعرف أن الأردن تحسن في المؤشرات الدولية. المطلوب هو "لوحتا قيادة" متوازيتان: لوحة لقدرات الدولة، تقيس النمو والتنافسية والابتكار والرقمنة؛ ولوحة لرفاه الأسرة، تقيس الوظائف الجيدة، والدخل الحقيقي، والمهارات، وكلفة الخدمات الأساسية، والحماية الاجتماعية، والفجوات بين المحافظات. 

وحتى نسبة الفقر بين الأردنيين البالغة 15.7% وهي آخر تقدير رسمي متاح وتعود إلى مسح دخل ونفقات الأسرة 2017–2018، تذكّرنا بضرورة امتلاك أحدث بيانات لقياس الأثر الحقيقي للإصلاحات. وفي هذا السياق، لا يزال الافتراض بأن منافع النمو الكلي ستنتقل تلقائياً إلى جميع فئات المجتمع بحاجة إلى مراجعة؛ فلا يتحول الاستثمار تلقائياً إلى وظائف، والنمو لا يتحول تلقائياً إلى ارتفاع في الدخول، ما لم تُصمم آليات واضحة تربط الاستثمار بالإنتاجية والتشغيل وانتشار القيمة المضافة.

ومن هنا، لا تحتاج المرحلة الثانية إلى إعادة تعريف رؤية التحديث الاقتصادي، بل إلى استكمال منطقها. ينبغي ربط حوافز الاستثمار بالإنتاج المحلي وسلاسل القيمة، وتوجيه الدعم نحو شركات أكثر إنتاجية وقادرة على خلق وظائف رسمية، وربط وتصميم الاستثمار بما يستند إلى ميزات المحافظات لا بمجرد إنشاء مناطق متشابهة. كما يجب أن يقاس نجاح التعليم والتدريب بالانتقال إلى العمل والأجور والإنتاجية، لا بعدد الخريجين فقط.

وأخيراً، ينبغي مأسسة "بطاقة قياس رفاه الأسرة" سنوياً، لتسأل سؤالاً يتجاوز عدد المشاريع والمراتب الدولية: ماذا تغيّر فعلياً في حياة الأسرة نتيجة الإصلاح؟ فاختبار المرحلة الثانية ليس عدد المراكز التي يصعدها الأردن في المؤشرات، بل المسافة التي يقطعها أثر الإصلاح من طاولة القرار إلى ميزانية الأسرة، ومن النمو الكلي إلى حياة المواطن.

مواضيع قد تعجبك