*
الاربعاء: 19 أغسطس 2026
  • 18 أغسطس 2026
  • 23:37
من ميناء الصين إلى السوق الأردني الاتفاقية التجارية الأردنيةالصينية من فتح الأسواق إلى صناعة الفرص
الكاتب: محمد زعل الضمور

بعد أكثر من عشرين عاماً في عالم الاستيراد والتصدير والتخليص الجمركي والشحن، وخاصة في التعامل المباشر مع الأسواق والمصانع والموردين في جمهورية الصين الشعبية، أصبحت أرى التجارة بين الأردن والصين من زاوية مختلفة؛ ليست مجرد حاوية تصل إلى ميناء العقبة، ولا مجرد فاتورة تجارية أو بيان جمركي أو بوليصة شحن.

التجارة في حقيقتها هي سلسلة متكاملة من القرارات والمعلومات والفرص.

ومن هنا، فإن الحديث عن اتفاقية تجارية مرتقبة بين الأردن والصين لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد تخفيض للرسوم الجمركية، بل باعتباره فرصة لإعادة صياغة العلاقة الاقتصادية بين بلدين يمتلك كل منهما مقومات يمكن أن تخدم الآخر.

والأهم من ذلك أن هذه الرؤية تأتي في سياق نهج طويل قاده جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين في بناء علاقات استراتيجية مع الصين، وتعزيز حضور الأردن على خريطة الاستثمار والتجارة العالمية.

من العلاقة التجارية إلى الشراكة الاقتصادية

العلاقة التجارية بين الأردن والصين ليست جديدة؛ فقد ارتبط البلدان باتفاقية تعاون تجاري منذ عام 1979، وتطورت العلاقات لاحقاً إلى شراكة استراتيجية شملت التجارة والاستثمار والبنية التحتية والتعليم والتكنولوجيا وغيرها. واليوم، تؤكد التصريحات الرسمية استمرار العمل على توسيع هذه الشراكة وفتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والاستثماري. (وزارة الصناعة والتجارة⁠)

لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس:

كم نستورد من الصين؟

بل:

كيف نستطيع أن نحول علاقتنا مع الصين من علاقة استيراد إلى شراكة إنتاج وتصدير واستثمار؟

وهنا تكمن أهمية أي اتفاقية تجارية مستقبلية.

من واقع تجربة أكثر من 20 عاماً

من يعمل في الاستيراد من الصين يعرف أن السعر الذي يظهر على فاتورة المصنع ليس هو التكلفة الحقيقية للمنتج.

هناك الشحن البحري، والتأمين، وأجور المناولة، والتخليص، والتصنيف الجمركي، والرسوم والضرائب، ومتطلبات المواصفات والمقاييس، والوقت الذي تستغرقه البضاعة في سلسلة التوريد.

ولهذا فإن أي اتفاقية تجارية ناجحة يجب ألا تركز فقط على نسبة الرسم الجمركي.

بل يجب أن تتعامل مع كامل سلسلة التجارة:

المصنع الصيني → الشحن → الميناء → التخليص → المواصفات → النقل → التخزين → السوق الأردني → إعادة التصدير.

إذا استطعنا تقليل تكلفة ووقت هذه السلسلة، فإننا لا نخفض سعر المنتج فقط، بل نرفع تنافسية الاقتصاد الأردني بأكمله.

الصين ليست فقط دولة نستورد منها

هذه هي النقطة التي أعتقد أننا بحاجة إلى إعادة التفكير فيها.

الصين اليوم ليست مجرد مصدر للمنتجات الرخيصة، بل قوة صناعية وتكنولوجية ولوجستية هائلة.

والأردن، في المقابل، يمتلك موقعاً استراتيجياً، وميناء العقبة، ومناطق اقتصادية وتنموية، وقاعدة من الاتفاقيات التجارية التي تمنح المستثمر فرصة الوصول إلى أسواق متعددة.

وقد أشار مسؤولون أردنيون إلى أهمية استقطاب الاستثمارات الصينية وإقامة الصناعات الصينية في الأردن للاستفادة من موقع المملكة وشبكة اتفاقيات التجارة الحرة التي ترتبط بها. (وكالة الانباء الاردنية⁠)

وهنا يمكن أن تبدأ المعادلة الحقيقية:

الصين تنتج، والأردن يضيف قيمة، ثم ينطلق المنتج الأردني إلى أسواق أخرى.

وهذا أكثر أهمية من مجرد زيادة أعداد الحاويات القادمة إلى العقبة.

ماذا يمكن أن تحقق الاتفاقية إذا صُممت بشكل صحيح؟

من وجهة نظري، هناك خمسة محاور أساسية يجب أن تكون حاضرة عند التفاوض على أي اتفاقية تجارية شاملة:

أولاً: تخفيض كلفة التجارة

تسهيل الإجراءات الجمركية، وتوحيد الوثائق، وتسريع التخليص، والتحول إلى البيانات الإلكترونية، وتقليل زمن الإفراج عن البضائع.

فالوقت في التجارة الدولية له قيمة مالية مثل الرسوم تماماً.

ثانياً: حماية الصناعة الأردنية

فتح السوق لا يعني إلغاء الحماية عن الصناعات الوطنية.

يجب أن تكون هناك قوائم واضحة للسلع الحساسة، وفترات انتقالية مناسبة، وقواعد منشأ تمنع الاستفادة غير العادلة من الاتفاقية.

فالهدف ليس أن نستبدل المنتج الأردني بالمنتج الصيني، وإنما أن نجعل الصناعة الأردنية أكثر قدرة على المنافسة.

ثالثاً: جذب الصناعة الصينية إلى الأردن

وهنا أرى الفرصة الأكبر.

بدلاً من أن تصل البضاعة الصينية جاهزة إلى الأردن، لماذا لا تصل بعض الاستثمارات الصينية إلى الأردن؟

مصانع، تجميع، صناعات غذائية، معدات، تكنولوجيا، طاقة متجددة، مكونات صناعية، خدمات لوجستية، اقتصاد رقمي، وقطاعات أخرى.

وبذلك تتحول الحاوية من وحدة استيراد إلى مدخل في عملية إنتاج.

رابعاً: جعل الأردن منصة لإعادة التصدير

الأردن لا يجب أن ينظر إلى السوق المحلية فقط.

يجب أن ننظر إلى الأردن باعتباره منصة للوصول إلى الأسواق العربية والإقليمية، مستفيدين من شبكة الاتفاقيات التجارية التي ترتبط بها المملكة.

وهذا ما يجعل الاستثمار الصيني في الأردن مختلفاً عن مجرد بيع المنتجات الصينية في السوق الأردني.

خامساً: التجارة الرقمية والبيانات

وهنا يأتي دوري كباحث وحاصل على درجة الماجستير في ذكاء الأعمال.

العالم التجاري الجديد لا يعتمد فقط على السفن والموانئ والمستودعات.

إنه يعتمد على البيانات.

نحتاج إلى معرفة:

ما المنتجات الأكثر استيراداً؟

ما الدول التي يمكن إعادة التصدير إليها؟

ما تكلفة المنتج الحقيقية بعد الرسوم والشحن؟

ما السلع التي يمتلك الأردن فيها ميزة تنافسية؟

ما المنتجات الصينية التي يمكن تصنيعها أو تجميعها محلياً؟

وأين توجد فرص الاستثمار؟

هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالانطباعات فقط، بل تحتاج إلى تحليل البيانات.

من “كم نستورد؟” إلى “ماذا ننتج؟”

هذه في رأيي هي النقلة الفكرية الأهم.

إذا كانت الاتفاقية المستقبلية ستؤدي فقط إلى زيادة الواردات الصينية، فإننا سنكون قد استفدنا من جانب واحد من العلاقة.

أما إذا أدت إلى:

استثمار صيني + إنتاج أردني + قيمة مضافة + تشغيل أردني + تصدير إلى أسواق جديدة

فهنا نكون أمام شراكة اقتصادية حقيقية.

وهذا يتوافق مع الرؤية الأوسع التي تجعل من الأردن مركزاً إقليمياً للتجارة والاستثمار والخدمات اللوجستية، وهي رؤية تحظى بدعم ملكي واضح في العلاقات مع الدول الآسيوية والصين على وجه الخصوص. (وكالة الانباء الاردنية⁠)

دور ميناء العقبة

وبخبرة من تعامل لسنوات مع الشحن من الصين، أرى أن ميناء العقبة يمكن أن يكون أحد أهم المستفيدين من تطوير هذه العلاقة.

لكن علينا ألا نكتفي بزيادة حركة الحاويات.

يجب أن نعمل على بناء منظومة متكاملة تشمل:

الميناء + التخزين + المناطق اللوجستية + التخليص الجمركي + النقل البري + التصنيع + إعادة التصدير.

عندها يصبح الأردن جزءاً من سلسلة القيمة العالمية، وليس مجرد نقطة وصول نهائية للبضائع.

الاتفاقية تحتاج إلى عقلية جديدة

إن نجاح أي اتفاقية تجارية لا يعتمد فقط على توقيعها.

فالوثيقة وحدها لا تصنع التجارة.

الذي يصنع الأثر هو:

التنفيذ، والبيانات، والبنية التحتية، وسرعة الإجراءات، والقطاع الخاص، والمستثمر، والمصنع، والمصدر، والمخلص الجمركي، وشركات الشحن واللوجستيات.

ومن هنا يجب أن يكون للقطاع الخاص دور حقيقي في صياغة التفاصيل التي تمس التجارة اليومية.

فالتاجر والمستورد والمصدر والمخلص الجمركي يعرفون أين توجد نقاط الاختناق التي قد لا تظهر دائماً في الدراسات النظرية.

الملك عبدالله الثاني… رؤية تتجاوز حدود التجارة

إن بناء علاقة استراتيجية مع الصين لم يكن وليد اللحظة.

لقد عمل جلالة الملك عبدالله الثاني على مدى سنوات على فتح قنوات سياسية واقتصادية واستثمارية مع الصين، وصولاً إلى شراكة استراتيجية تطورت وتوسعت في مجالات متعددة. وفي أحدث تصريحاته، أكد جلالته أن الموقع الاستراتيجي للأردن وموارده وشبابه، إلى جانب القوة الاقتصادية للصين وخبرتها التكنولوجية وانتشارها العالمي، توفر فرصاً استثنائية لتوسيع التعاون بين البلدين. (وكالة الانباء الاردنية⁠)

وهنا يمكن فهم الاتفاقية المرتقبة، إن اكتملت، باعتبارها حلقة جديدة في مسار طويل من العمل الملكي لفتح الأسواق وتعزيز مكانة الأردن الاقتصادية.

كلمة أخيرة من واقع المهنة

بعد أكثر من عشرين عاماً في الاستيراد والتصدير والتخليص والشحن من الصين، أستطيع القول إن أكبر خطأ يمكن أن نرتكبه هو أن ننظر إلى الصين باعتبارها مصدر البضاعة فقط.

الصين يمكن أن تكون:

شريكاً صناعياً، ومستثمراً، ومصدراً للتكنولوجيا، وشريكاً في اللوجستيات، وسوقاً للمنتجات الأردنية.

والأردن لا يجب أن يكون مجرد سوق للمنتج الصيني.

بل يمكن أن يكون:

بوابة صينية إلى المنطقة، ومنصة أردنية للصناعة والتصدير والاستثمار.

وهنا تحديداً تتقاطع خبرتي العملية في التجارة الدولية مع تخصصي الأكاديمي في ذكاء الأعمال.

فالمستقبل لن يكون لمن يستورد أكثر…

بل لمن يعرف ماذا يستورد، وماذا ينتج، وأين يبيع، وكيف يحلل البيانات، وكيف يحول المعلومة إلى قرار والقرار إلى قيمة اقتصادية.

وإذا نجح الأردن في تصميم وتنفيذ شراكة تجارية واقتصادية متوازنة مع الصين، فإننا لا نتحدث فقط عن اتفاقية تخفيض رسوم جمركية.

بل نتحدث عن فرصة لإعادة تعريف موقع الأردن في خريطة التجارة الآسيوية والعربية.

ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي ليس على الاتفاقية وحدها… بل على ما سنفعله نحن بالأردن بعد الاتفاقية.

مواضيع قد تعجبك