في بلادٍ لا تنقصها الثروات، بل تنقصها الإجابات… في أوطانٍ تجلس فوق كنوز الأرض ثم تبحث عن "مساعدات" لإطعام أحلام أبنائها… في أمةٍ لو حُسنَت إدارتها لأصبحت قبلة العالم، لكنها أصبحت قبلة الباحثين عن الهجرة
مرحبًا بكم في جمهورية الهروب الكبرى؛ الدولة الوحيدة التي لا تحتاج إلى حدود، لأن مطاراتها تقوم بالمهمة على أكمل وجه. هنا لا نسأل الشاب: "ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟"، بل نسأله: "إلى أين تريد أن تسافر عندما تكبر؟".
لقد أصبح جواز السفر في بعض بلادنا العربية أهم من الشهادة الجامعية، وأصبحت تأشيرة الدخول إلى بلد آخر أقرب إلى حلم الحصول على وظيفة عادلة في الوطن. المواطن لا يبحث عن قصر في الخارج، ولا عن حياة الملوك، بل يريد فقط راتبًا يكفيه، وقانونًا يحميه، ومستقبلًا لا يحتاج إلى قراءة الطالع لمعرفة مصيره.
العجيب في الأمر أننا نعيش في قارة من المفارقات. لدينا النفط، لكن بعض أبنائنا لا يجدون فرصة عمل. لدينا الغاز، لكن المواطن يحتاج إلى حسابات معقدة قبل دفع فواتير الحياة. لدينا الأراضي الواسعة، لكن الشباب يزرعون أحلامهم في بلاد الآخرين.
نحن أمة بارعة في صناعة الشعارات. نرفع شعار "الشباب هم المستقبل"، ثم نعاملهم كأنهم ضيوف مؤقتون في حاضر لا مكان لهم فيه. نقيم المؤتمرات عن تمكين الشباب، ثم نكتشف أن أكثر الشباب تمكينًا هو من تمكن من الوصول إلى بوابة المطار قبل الجميع
أما المسؤولون، فهم يعيشون أجمل لحظات الدهشة السياسية: يستيقظون كل عام ليكتشفوا أن الشباب يهاجرون. يجتمعون لعقد جلسات طويلة لمناقشة السؤال العظيم: "لماذا يهرب الناس؟". وبعد انتهاء الاجتماع يعود الجميع إلى سياراتهم الفاخرة، بينما يعود المواطن إلى البحث عن فرصة في بلد آخر.
يا لها من عبقرية نادرة! نُخرّج الطبيب، ثم نفرح عندما يعالج المرضى في مستشفيات الخارج. نُعلم المهندس، ثم نشاهد إنجازاته في مدن أخرى. نربي المبدع، ثم نصفق له عندما يصبح اسمه عالميًا… بشرط ألا يطلب منا تفسير سبب رحيله.
لقد أصبح بعض الأوطان يتعامل مع مواطنيه كأنهم منتجات للتصدير: العقول تصدر، والأيدي العاملة تصدر، والمواهب تصدر، ثم نستورد التكنولوجيا والخبرات من الذين كانوا بالأمس أبناء شوارعنا ومدارسنا.
لكن الحقيقة التي لا يريد البعض سماعها هي أن الإنسان لا يهرب من وطنه لأنه يكره ترابه. الإنسان يهرب عندما يشعر أن التراب أصبح أثقل من أن يحمل أحلامه. يرحل عندما يصبح الصمت أغلى من الكلام، والانتظار أطول من العمر.
الوطن ليس قصيدة تُلقى في المناسبات، ولا علمًا يُرفع في الاحتفالات فقط. الوطن عقدٌ بين المواطن والدولة: أمن مقابل مسؤولية، حقوق مقابل واجبات، كرامة مقابل انتماء. فإذا اختل العقد، بدأ الإنسان يبحث عن مكان آخر يوقّع معه اتفاق الحياة.
يا أمةً تملك من الثروات ما يكفي لتغيير وجه التاريخ… لا تجعلوا أعظم إنجازاتكم عدد الأبراج التي بُنيت، بل عدد الأحلام التي بقيت. لا تقيسوا نجاح الأوطان بعدد السيارات الفاخرة، بل بعدد الشباب الذين لم يفكروا يومًا في الهروب.
فالمطار ليس المشكلة… المشكلة أن يصبح المطار هو الأمل الوحيد.
والسفينة ليست المشكلة… المشكلة أن يصبح الوطن هو البحر الهائج الذي يحاول الإنسان النجاة منه.
أيها السادة، إن أخطر هجرة ليست هجرة الأجساد، بل هجرة القلوب. فحين يعيش الإنسان في وطنه بجواز سفر في جيبه وحقيبة في عقله، يكون الوطن قد خسر معركته قبل أن يغادر أول مسافر.
فاحذروا يا أصحاب الثروات… فالأمم لا تنهار عندما تنفد خزائنها فقط، بل عندما تمتلئ المطارات بأفضل ما لديها. ( فكرة المقال مستوحاه من صور المغاربة الباحثين عن الهروب والهجرة تجاه اسبانيا )



