*
الخميس: 13 أغسطس 2026
  • 13 أغسطس 2026
  • 12:13
هندسة الوعي الشبابي
الكاتب: د. بثينة محادين

في اليوم العالمي للشباب، تتكرر عبارات كثيرة عن طاقة الشباب، ودورهم في بناء المستقبل، وأهمية تمكينهم وإشراكهم في صناعة القرار. وكلها أفكار مهمة، لكن ربما علينا أن نطرح سؤالاً أكثر عمقاً : أي نوع من الشباب نريد أن نصنع؟

هل نريد شاباً يمتلك الكثير من المعلومات؟ أم شاباً يعرف كيف يفكر فيما يعرف؟

في زمن تتدفق فيه المعلومات من كل اتجاه، لم تعد المشكلة في الوصول إلى المعرفة؛ فالمعلومة أصبحت في متناول الجميع تقريباً. المشكلة الحقيقية أصبحت في القدرة على التمييز: أي معلومة أصدق؟ أيها يحتاج إلى دليل؟ وأين تنتهي الحقيقة ويبدأ التلاعب؟

من هنا، يصبح اكتساب مهارة التفكير الناقد والتفكير المنطقي واحداً من أهم ما يمكن أن نقدمه لشبابنا.

أن نعلّم الشاب ألا يتعامل مع الأشياء باعتبارها مسلّمات لمجرد أنها قيلت له، أو لأنها تكررت أمامه، أو لأن عدداً كبيراً من الناس يؤمنون بها. أن نعلّمه أن يسأل: لماذا؟ وكيف حدث ذلك؟ وما الدليل؟ ومن أين جاءت هذه المعلومة؟

فالسؤال ليس تمرداً، والاختلاف ليس إساءة، ومراجعة الفكرة ليست ضعفاً.

الشاب الذي يسأل لا يعني أنه يرفض كل شيء، بل يعني أنه يريد أن يفهم قبل أن يحكم.

وهنا يأتي دور الأسرة والمؤسسة التعليمية والإعلام، في الانتقال من ثقافة الإجابة الجاهزة إلى ثقافة الحوار. فبدل أن نقدم للشاب دائماً ما يجب أن يفكر فيه، علينا أن نساعده على اكتشاف كيف يفكر.

الحوار المفتوح لا يعني أن نترك أبناءنا بلا توجيه، وإنما أن نمنح عقولهم فرصة للبحث والاستكشاف، وأن نسمح لهم بطرح الأسئلة ومناقشة الأفكار، وحتى الوقوع في الخطأ، ثم اكتشاف الخطأ وتصحيحه.

والأهم أن نعلّمهم أدوات التفكير نفسها.

أن يعرفوا كيف يميزون بين الحجة والمغالطة، وبين الرأي والحقيقة، وبين الدليل والانطباع. وأن يدركوا أن انتشار معلومة على منصات التواصل الاجتماعي لا يجعلها صحيحة، وأن كثرة المشاركات والإعجابات ليست دليلاً على الحقيقة.

في عالم أصبحت فيه صورة أو مقطع قصير قادراً على تشكيل موقف كامل، يصبح من الضروري أن يتعلم الشاب أن يتوقف قبل أن يصدق أو يشارك، وأن يسأل: ما المصدر؟ ما الدليل؟ هل هناك رواية أخرى؟ وهل ما أراه حقيقة أم طريقة صيغت بها الحقيقة للتأثير فيّ ؟

وهذا هو جوهر التفكير الناقد: ألا نكون أسرى لأول فكرة تصل إلينا.

لكن هناك جانباً آخر لا يقل أهمية؛ علينا أن نعلّم شبابنا أن التفكير الناقد لا يعني رفض كل شيء، ولا يعني أن يكون الإنسان في حالة اعتراض دائم. فالعقل النقدي لا يقول «لا» لكل شيء، كما أنه لا يقول «نعم» لكل شيء؛ بل يبحث، ويفحص، ويقارن، ثم يتخذ موقفه.

والأجمل من ذلك أن نربي الشاب على امتلاك الشجاعة الفكرية لتغيير رأيه عندما يكتشف أن الدليل يقوده إلى نتيجة أخرى. فالتراجع عن فكرة خاطئة ليس هزيمة، بل انتصار للعقل.

إن بناء شباب يمتلكون هذه المهارات ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة لمجتمع يريد أن يحمي وعيه. فالشباب اليوم لا يواجهون فقط تحديات البطالة أو التعليم أو العمل؛ إنهم يعيشون أيضاً وسط سيل هائل من الأخبار والمعلومات والتفسيرات والمواقف، وبعضها مصمم أصلاً للتأثير في عقولهم ومواقفهم.

لذلك، فإن أفضل ما يمكن أن نقدمه للشباب ليس أن نفكر نيابة عنهم، بل أن نمنحهم الأدوات التي تجعلهم قادرين على التفكير بأنفسهم.

لسنا بحاجة إلى جيل يحفظ أكثر، بل إلى جيل يفكر أفضل.

جيل لا يخاف من السؤال، ولا يندفع خلف كل ما يسمع، ولا يخلط بين الشهرة والحقيقة، ولا بين الاختلاف والخلاف، ولا بين الثقة واليقين المطلق.

جيل يعرف أن العقل الذي يسأل «لماذا؟» و«كيف؟» و«ما الدليل؟» هو عقل يصعب أن يُقاد بسهولة.

وفي اليوم العالمي للشباب، ربما يكون أجمل احتفاء بالشباب أن نؤمن بعقولهم، وأن نمنحها المساحة لتسأل، وتحلل، وتختلف، وتكتشف، وتعيد النظر.

فالمستقبل لا تصنعه أعداد الشباب وحدها، بل تصنعه نوعية العقول التي يحملها هؤلاء الشباب.

مواضيع قد تعجبك