*
الثلاثاء: 11 أغسطس 2026
  • 11 أغسطس 2026
  • 11:57
التوجيهي انتهى فماذا بعد
الكاتب: الدكتور زيد احمد المحيسن

التوجيهي انتهى... فماذا بعد؟
الدكتور زيد احمد المحيسن 
حين تُعلن نتائج التوجيهي، تمتلئ البيوت بالفرح، وتتعالى التهاني، وتُلتقط الصور، وكأن الطريق قد وصل إلى نهايته. لكن الحقيقة أن النتائج ليست نهاية الطريق، بل ربما هي اللحظة التي يبدأ فيها السؤال الأهم: ماذا بعد؟ مبارك لأبنائنا وبناتنا نجاحهم، ومبارك لكل أم وأب ومعلم شاركوا أبناءهم تعب الطريق وقلق الانتظار. غير أن الأجمل من الاحتفال بالنتيجة أن نتوقف قليلًا أمام معنى التعليم نفسه؛ فهل نتعلم من أجل الوظيفة فقط؟ نعم، نحتاج إلى العمل ونحتاج إلى تخصص يؤمّن مستقبلًا كريمًا، لكن التعليم أكبر من وظيفة وشهادة؛ إنه بناء للعقل والشخصية والوعي، وتعليم للإنسان كيف يفكر، وكيف يختار، وكيف يختلف، وكيف يتحمل المسؤولية. ولذلك لا ينبغي أن يكون السؤال للطالب: كم حصلت؟ وما التخصص الذي ستدرسه؟ فقط، بل: أي إنسان تريد أن تكون؟ فالوطن لا يحتاج إلى أصحاب شهادات فحسب، بل إلى أصحاب كفاءة وضمير؛ إلى طبيب أمين، ومعلم مخلص، ومهندس متقن، وإعلامي مسؤول، وموظف نزيه، وشاب يعرف حقوقه وواجباته ويحترم القانون والإنسان. وهنا يأتي دور الأسرة؛ فأبناؤنا ليسوا مشاريع لتحقيق أحلامنا أو للمقارنة مع أبناء الآخرين، بل لهم قدراتهم وميولهم وأحلامهم، ودورنا أن نوجههم ونساندهم لا أن نصادر حقهم في الاختيار. كما أن على مؤسسات التعليم والدولة أن تفتح أمام الشباب أبوابًا حقيقية للمعرفة والمهارة والعمل، وأن تجعل الكفاءة والاجتهاد طريقًا للفرصة، لأن الواسطة والمحسوبية لا تفسدان سوق العمل فقط، بل تزرعان في نفوس الشباب شعورًا خطيرًا بأن الاجتهاد وحده لا يكفي. والشباب ليسوا بعيدين عن الشأن العام؛ فالمواطنة الواعية تعني أن نقرأ ونسأل ونتحقق ونناقش ونختلف باحترام، وألا نكون أسرى للشائعة أو تابعين لكل صوت مرتفع. يا أبناء التوجيهي، افرحوا اليوم، فهذه فرحتكم، لكن لا تجعلوا رقمًا في ورقة يحدد قيمتكم أو يرسم مستقبلكم. من حقق معدلًا عاليًا فليعرف أن النجاح مسؤولية، ومن لم يحقق ما كان يتمنى فليعرف أن الحياة أوسع من امتحان، وأن الأبواب كثيرة، وأن التعثر في بداية الطريق لا يعني نهايته. فالمستقبل لا يحتاج فقط إلى من يحمل شهادة، بل إلى من يعرف ماذا يفعل بالعلم الذي حصل عليه. التوجيهي انتهى، أما الامتحان الحقيقي فقد بدأ؛ امتحان أن تكون إنسانًا واعيًا، ومواطنًا مسؤولًا، وصاحب أثر في نفسك ومجتمعك ووطنك.

مواضيع قد تعجبك