لم تعد التكنولوجيا المالية مجرد وسيلة لتطوير الخدمات المصرفية أو تسريع المعاملات، بل أصبحت أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي، وتعزيز الشمول المالي، ورفع تنافسية الاقتصادات. وفي الأردن، شهد هذا القطاع خلال السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً، مدفوعاً برؤية تنظيمية داعمة للابتكار، واستثمارات متزايدة في البنية التحتية للمدفوعات الرقمية، وتنامي دور المؤسسات المصرفية وشركات التكنولوجيا المالية.
وقد جاءت النسخة الثانية من مهرجان الأردن للتكنولوجيا المالية Jo Fintech Festival 2026، التي أقيمت في البحر الميت يومي 23 و24 أيلول، لتعكس هذا التطور، وتؤكد طموح المملكة إلى تعزيز حضورها بوصفها مركزاً إقليمياً للتكنولوجيا المالية والابتكار.
حيث شكّل المهرجان محطة مهمة في مسيرة تطوير القطاع، ليس فقط من حيث الموضوعات التي تناولها، وإنما أيضاً من حيث مستوى المشاركة والحضور المتنوع من المؤسسات المالية والمصرفية، والبنوك المركزية والجهات التنظيمية، وشركات التكنولوجيا المالية، والمستثمرين ورواد الأعمال والخبراء من الأردن والمنطقة والعالم.
وقد نُظم المهرجان بمبادرة من البنك المركزي الأردني، بالشراكة مع جمعية البنوك في الأردن، وبالتعاون مع الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ)، تحت شعار "حين يلتقي التنظيم بالابتكار".
إن ما يميز هذا الحدث هو جمعه مختلف الأطراف الفاعلة في منظومة التكنولوجيا المالية تحت سقف واحد؛ فالتطوير الحقيقي لهذا القطاع لا يمكن أن يتحقق من خلال جهود المؤسسات المصرفية وحدها، أو الشركات الناشئة بمعزل عن الجهات التنظيمية، وإنما يتطلب شراكة فاعلة تجمع الابتكار بالخبرة المصرفية والتشريعات الداعمة والاستثمار.
ومن هذا المنطلق، يستحق البنك المركزي الأردني وجميع الجهات المنظمة والشريكة الإشادة على هذه المبادرة التي أتاحت منصة للحوار وتبادل الخبرات، وفتحت المجال أمام الشركات الناشئة لعرض ابتكاراتها والتواصل مع المستثمرين وصناع القرار.
كما أن استضافة الأردن لهذا التجمع الإقليمي والدولي تعكس قدرته على استقطاب الخبرات والكفاءات، وتوفر فرصة مهمة لتعزيز مكانته على خريطة التكنولوجيا المالية في المنطقة.
ولعل القيمة الأهم لمثل هذه الفعاليات تكمن في قدرتها على تحويل النقاشات والأفكار إلى شراكات ومشاريع قابلة للتطبيق، بما ينعكس على تطوير الخدمات المالية وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
وبالرغم من التقدم الذي أحرزه الأردن، فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من التركيز على رقمنة الخدمات التقليدية إلى تطوير نماذج أعمال مالية مبتكرة، خصوصاً في مجالات الخدمات المصرفية المفتوحة، والذكاء الاصطناعي، والتمويل المدمج، والتكنولوجيا التنظيمية.
كما تبرز أهمية تعزيز التعاون بين البنوك وشركات التكنولوجيا المالية، وتسهيل وصول الشركات الناشئة إلى التمويل والأسواق، والاستثمار في تأهيل الكفاءات الوطنية القادرة على قيادة هذا التحول.
وفي المقابل، يجب أن يبقى الشمول المالي في صميم هذه الجهود. فالقيمة الحقيقية للتكنولوجيا المالية تتمثل في قدرتها على تمكين الفئات محدودة الدخل، والشباب، والنساء، وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، من الوصول إلى خدمات مالية مناسبة بتكلفة معقولة.
ومن الضروري كذلك مواصلة تعزيز الأمن السيبراني وحماية البيانات وحقوق المستهلك المالي، بما يضمن أن يسير الابتكار جنباً إلى جنب مع الثقة والاستقرار المالي.
ومما لا شك فيه ان الأردن أمام فرصة إقليمية واعدة، حيث يمتلك الأردن مقومات مهمة لتعزيز حضوره الإقليمي في قطاع التكنولوجيا المالية، أبرزها الكفاءات البشرية المؤهلة، والخبرة المصرفية، والبنية التحتية المتطورة للمدفوعات الرقمية، والبيئة التنظيمية التي تسعى إلى تحقيق التوازن بين الابتكار والاستقرار المالي.
وقد قدم مهرجان الأردن للتكنولوجيا المالية 2026 نموذجاً عملياً لأهمية تكامل هذه المقومات، وأظهر قيمة التعاون بين القطاعين العام والخاص والمؤسسات الإقليمية والدولية في بناء منظومة مالية أكثر ابتكاراً وشمولاً.
غير أن ترسيخ مكانة الأردن مركزاً إقليمياً للتكنولوجيا المالية يتطلب استدامة هذه الجهود، وتحويل مخرجات المؤتمرات والفعاليات إلى استثمارات وشراكات ومنتجات مالية جديدة، إلى جانب دعم البحث العلمي وربط الجامعات ومراكز الابتكار باحتياجات القطاع المالي.
إن ما تحقق حتى اليوم يشكل قاعدة مهمة للبناء عليها، وما شهدناه في مهرجان الأردن للتكنولوجيا المالية يعزز الثقة بقدرة المملكة على توظيف خبراتها وكفاءاتها في تطوير هذا القطاع الحيوي.
فالغاية ليست أن يكون الأردن مستخدماً متقدماً للتكنولوجيا المالية فحسب، بل أن يصبح مساهماً فاعلاً في تطوير حلولها وصناعة مستقبلها في المنطقة.



