جملة واحدة كانت كافية.
من فوق منبر الأمم المتحدة في نيويورك، قال الملك عبدالله الثاني إن الأردن لن يشيح بنظره عما يجري حول حدوده.
ثم سمى الأشياء بأسمائها: أمنه، ومياهه، ومصالح شعبه.
وحذر من توسع في الضفة وغزة، ومن تحركات في جنوب سوريا.
أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي، هو تهديد للأمن الوطني.
جملة واحدة، غيّرت طبيعة النقاش كله!
في اليوم التالي وصل الجواب.
لم يتحدث عن الحدود، ولا عن المياه، ولا عن سوريا.
عاد بالتقويم ثمانية وثلاثين عاما إلى الوراء!
وزارة الخارجية الإسرائيلية ردت على خطاب الملك باستحضار قرار فك الارتباط الذي أعلنته حكومة الملك الحسين عام 1988.
وقالت إن فلسطينيي الضفة فقدوا حينها حقوقا تتصل بالتصويت والترشح للبرلمان الأردني، والعمل في الخدمة المدنية، والتمويل من المملكة.
هذه رواية الوزارة الإسرائيلية نفسها، رواها بيانها الرسمي.
وراء كل حق ملغى في تلك اللحظة، كان هناك إنسان استيقظ يوما ليجد جواز سفره لا يعني له شيئا.
سؤال طُرح عن اليوم، فجاء الجواب عن الأمس!
هذه المسافة وحدها كافية ليرى القارئ أن الرد نقل النقاش إلى ملف آخر تماما.
بلا حاجة لحكم إضافي مني.
ثم جاءت زاوية أخرى، من داخل إسرائيل نفسها.
أفيغدور ليبرمان، رئيس حزب المعارضة يسرائيل بيتنا، اقترح في اليوم نفسه نقل الإشراف الأمني والإداري على منطقتي أ وب في الضفة الغربية إلى الأردن.
تحت مسمى مهذب: كونفدرالية.
مع إبقاء السيطرة الإسرائيلية الكاملة على المنطقة ج.
رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لم ينتظر طويلا!
طالب ليبرمان بسحب اقتراحه فورا، ورماه باليسارية.
وانضم مسؤولون في حكومته إلى مهاجمة الاقتراح.
ليبرمان معارض، يتحدث باسم نفسه وحدها.
مقترحات كهذه تُقاس بالباب الذي قد تفتحه لاحقا، أكثر مما تُقاس بشخص من أطلقها.
الصورة تتبدل كليا.
خطاب أردني وضع حدوده ومياهه ومصالح شعبه على الطاولة، وجد نفسه خلال أيام أمام ثلاثة مسارات مختلفة.
الأول عاد إلى الأرشيف.
والثاني تحول إلى سجال سياسي إسرائيلي داخلي.
والثالث جاء من عمان نفسها، ليقول الكلمة الفصل.
في الرابع والعشرين من أيلول، أغلق الأردن الباب أمام كل تأويل!
نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وصف الطروحات الإسرائيلية لحل القضية الفلسطينية على حساب الأردن بأنها سخيفة.
وقال إن هذا الطرح غير قابل للتطبيق، وإن المملكة ستتصدى له بكل ما تملك.
التواريخ في السياسة نادرا ما تُذكر من فراغ.
فالكلمة الواحدة، حين تصدر عن دولة، تتحول إلى موقف يصعب التراجع عنه.
الموقف الأردني لم يعد يُستدل عليه من الصمت.
صار معلنا، محددا بالاسم والتاريخ!
والمياه هنا ليست تفصيلا عابرا في هذا الملف.
معاهدة السلام لعام 1994 ربطت الأمن الوطني بالمياه منذ لحظتها الأولى.
والجغرافيا، في هذا الملف، هي الصورة كلها!
هناك ردع يقوم على تلويح بالقوة، وهذا معروف.
وهناك ردع أصعب تفكيكا، أسميه أنا ردع النظر!
حين تعلن دولة أنها لن تغض الطرف، فهي تخبر كل الأطراف أن كل خطوة على أرضها ستُقرأ، وتُوثق، وتُحسب عليها لاحقا.
هذا النوع من الردع – برأيي- لا يحتاج جيشا يتحرك!
يكفي أن تتحول الكلمة الرسمية إلى مرجع يعود إليه المراقبون، كل مرة يُقاس فيها سلوك لاعب إقليمي تجاه حدود المملكة.
وحين يصف مسؤول أردني رفيع طرحا كهذا بأنه سخيف، فهو يمارس سلوكا يصلح أن نسميه سيادة الرفض المبكر.
رفض يُسقط الفكرة في مهدها، قبل أن يكتمل تبلورها.
تفاديا لمنح الوقت الكافي لتطبيعها.
لأن المشاريع التي تُترك بلا رد مبكر، تكتسب مع الأيام صفة الأمر الواقع.
الداخل الأردني لم يحتج إلى تعبئة خطابية إضافية.
يكفي أن يرى المواطن أن الموقف الرسمي يقول ما كان يشعر به أصلا.
وحين يلتقي الشعور الشعبي بالخطاب الحكومي بلا فجوة، يصبح التماسك الداخلي حقيقة يومية!
والمفارقة الأعمق -برأيي- أن الطرف الذي أطلق الاقتراح، والرد الرسمي عليه، انتهى به الأمر منشغلا بترتيب بيته الداخلي!
بينما بقي الأردن متفرغا تماما للدفاع عن خطوطه.
لأن من يوزع طاقته بين خصمه الخارجي وخصمه الداخلي، يخسر لحظة التركيز التي يحتاجها الملف الأصعب!
وما تكشفه هذه الأزمة الصغيرة في ظاهرها، يتجاوز حدود الأردن نفسه.
لأن الاختبار الحقيقي لأي دولة صغيرة اليوم، هو قدرتها على أن تقول كلمتها، قبل أن تُقال نيابة عنها.
هذا النمط ليس جديدا على المملكة.
في كل مرة تهتز فيها موازين الإقليم، تُختبر الثوابت الأردنية نفسها من زاوية مختلفة.
وفي كل مرة، يخرج الرد من المكان نفسه الذي بدأ منه.
في سبعة أيام، تنقل الجواب الإسرائيلي بين أرشيف الثمانينيات، وسجال سياسي داخلي، واقتراح يحمّل الأردن عبئا جديدا.
وبقي الاتجاه الذي حدده الملك واحدا لا يتزحزح: أمن، ومياه، ومصلحة وطنية، وحل يقوم على دولتين.
وحل الدولتين، الذي يتمسك به الأردن منذ عقود، بقي وحده الخط الذي لم يتغير قيد أنملة.
من يقرأ الأسبوع كاملا، يجد جهة واحدة ثابتة على معنى قالته مرة، وجهات أخرى بحثت عن كل معنى إلا المعنى الذي وُجّه إليها!
الدولة التي تصمد، تُقاس بقدرتها على البقاء يقظة، أكثر مما تُقاس بلحظة إعلانها الأولى.
الأردن أعلن ألا يشيح بنظره، مهما تعددت الإجابات.
وحين تكلم الحاضر، رد الماضي!



