*
الاثنين: 10 أغسطس 2026
  • 10 أغسطس 2026
  • 20:11
كيف تحول هرمز عمليا إلى مضيق إيراني
الكاتب: عبدالسلام الطراونة

في علم السياسة الميدانية، لا تقاس السيادة بالنصوص المكتوبة على ورق المواثيق الدولية، بل باليد التي تمسك بفرامل الحركة وتتحكم بمنطق الردع على الأرض. وحين نتأمل ما آلت إليه الأوضاع في مضيق هرمز اليوم، نجد أنفسنا أمام حقيقة ساطعة لا تقبل التشكيك: لقد انتهت الصبغة "الدولية" للمضيق كمفهوم عملياتي، ليحل محلها أمر واقع جديد يدار بالكامل وفق قواعد الاشتباك الإيرانية.
قد يتمسك القانون الدولي بمسمى "المضيق الدولي"، وتستند القوى الكبرى إلى بنود اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، لكن الواقع الملاحي والتجاري لا يدار بالنيات الحسنة ولا بالبيانات السياسية. الواقع يدار بمعادلة بسيطة: من يستطيع إيقاف السفينة؟ ومن يستطيع رفع كلفة التأمين البحري؟ ومن يملك القرار الفعلي بفتح الشريان أو إغلاقه؟
إن التحول الجوهري في هوية المضيق لم يكن مجرد ادعاء سياسي، بل جاء نتيجة تراكمات ميدانية فرضت نفسها كحقائق لا يمكن تجاوزها:
فشل الردع التقليدي: أثبتت التحالفات البحرية المتعددة الجنسيات أن أدوات الحرب التقليدية والأساطيل الضخمة عاجزة عن حماية الملاحة اليومية أمام أساليب الحرب الهجينة. إن انتشار الصواريخ الساحلية، والزوارق السريعة، والطائرات المسيرة، وسلاح التشويش الإلكتروني، جعل كلفة تأمين ناقلة واحدة تتجاوز جدواها الاقتصادية.
فرض سلطة الأمر الواقع: عمليا، لم تعد الناقلات تعبر المضيق بناء على "الحق الدولي في المرور العابر" فحسب، بل وفق الاستجابة اليومية لنداءات الحرس الثوري الإيراني وتوجيهاته الملاحية. لقد أصبحت أجهزة اللاسلكي الإيرانية هي الآمر والناهي في توجيه حركة السير البحري.
سوق التأمين بوصفه القاضي الفعلي: لا تنظر أسواق التأمين العالمية إلى "الشرعية الدولية"، بل إلى التهديد الفعلي. وحين تصبح المخاطر مرتبطة حصرا بمدى التوتر مع طهران، فإن الاقتصاد العالمي يكون قد أقر ضمنا بأن مفتاح الأمان في هذا الممر يقبع في طهران لا في واشنطن أو نيويورك.
المعادلة الصفرية: كرست إيران أسلوب "الند بالند"؛ فكل احتجاز أو تضييق خارجي يقابل بفعل مباشر في المضيق. هذا التوازن العملي ألغى مفهوم "الحماية الدولية" وحوله إلى التماس مباشر مع الإرادة الإيرانية.
إن القول بأن مضيق هرمز ما زال "معبرا دوليا" بالمعنى العملي هو نوع من الإنكار السياسي للواقع. قد تظل التسمية القانونية محفوظة في أروقة المحافل الدولية، لكن على صعيد الحركة الملاحية، والتأمين، والسيطرة العسكرية، وإدارة المخاطر، فقد فرضت الجغرافيا والتكتيكات العسكرية واقعا واحدا: 
مضيق هرمز أصبح، بالمنطق العملياتي الخالص، منطقة نفوذ ومجالا حيويا إيراني الإدارة والتأثير.

مواضيع قد تعجبك