*
الخميس: 24 أيلول 2026
  • 24 أيلول 2026
  • 12:04
الملك في مواجهة النظام الدولي
الكاتب: شيرين قسوس

كتبت شيرين قسوس

من على منبر الأمم المتحدة، لم يأتِ الملك عبدالله الثاني ليشرح موقف الأردن فحسب، بل ليرفع سقف السؤال أمام العالم: ما قيمة القانون الدولي إذا كان عاجزاً عن وقف الحرب، وحماية المدنيين، ومنع فرض الأمر الواقع بالقوة؟ كان خطاب الملك مواجهة سياسية مباشرة مع واقع دولي تتسع فيه المسافة بين ما تقوله القوانين وما يحدث على الأرض. وفي قلب هذه المواجهة وضع الملك فلسطين، مؤكداً أن استمرار إدارة الصراع بدلاً من إنهائه لم يعد يعني تجميد الأزمة، بل السماح بتحويل الاحتلال والدمار والتهجير إلى وقائع دائمة.

لم يكتفِ الملك بتوصيف المأساة في غزة أو التحذير مما يجري في الضفة الغربية، بل وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أدواته نفسها: العقوبات، وتجميد الأصول، والعزلة الدبلوماسية، وكل وسائل الضغط المتاحة للدول والمنظمات الدولية. والسؤال الذي حمله الخطاب كان أكثر حدة من مجرد إدانة سياسية: إذا كانت قرارات المجتمع الدولي لا تجد طريقها إلى التنفيذ، فمن أين تستمد قواعد النظام الدولي قوتها؟

وفي قلب الموقف الأردني، بقيت فلسطين القضية التي لا يمكن تجاوزها أو التعامل معها باعتبارها ملفاً ثانوياً في حسابات الإقليم. فالملك وضع استمرار الاحتلال والاستيطان ومصادرة الأراضي والتهجير أمام المجتمع الدولي باعتبارها وقائع تقوّض فرص السلام وتدفع المنطقة نحو مزيد من عدم الاستقرار. أما غزة، بما شهدته من دمار ومعاناة إنسانية، فكانت حاضرة باعتبارها اختباراً حقيقياً لقدرة المجتمع الدولي على تحويل المبادئ التي يعلنها إلى إجراءات تحمي الإنسان وتوقف اتساع الكارثة.

والرسالة الأردنية، في هذا السياق، لا تفصل بين إنهاء الحرب وبين معالجة جذور الصراع. فبالنسبة للأردن، لا يمكن أن يكون السلام مجرد هدنة مؤقتة، ولا يمكن أن تتحول إدارة الأزمة إلى بديل عن حلها. ولهذا ارتبطت الدعوة إلى السلام بالتأكيد على الحقوق الفلسطينية، وعلى قيام الدولة الفلسطينية، وعلى أن معالجة الصراع تتطلب مساراً سياسياً واضحاً لا إعادة إنتاج الأزمات نفسها بصورة مختلفة.

ومن فلسطين، اتسعت رسالة الملك إلى الإقليم بأكمله، حيث لا يرى الأردن ما يجري حوله أزمات بعيدة عن حدوده. فالتطورات في جنوب سوريا، وأمن الحدود الشمالية، وتهريب المخدرات، والإرهاب، والأمن المائي، كلها ملفات ترتبط بصورة مباشرة بالأمن الوطني الأردني. فالجغرافيا تفرض على المملكة أن تتعامل مع التحولات الإقليمية ليس من موقع المتفرج، وإنما من موقع الدولة التي يمكن أن تنتقل تداعيات الأزمات المحيطة بها إلى داخل حدودها.

ولهذا جاء التأكيد على أن انفتاح الأردن على الدبلوماسية والحوار لا ينبغي أن يُفهم باعتباره ضعفاً أو تراجعاً عن حماية المصالح الوطنية. فالدبلوماسية، في الرؤية الأردنية، ليست نقيضاً للقوة في حماية الأمن، وإنما إحدى أدواتها. والحفاظ على قنوات الاتصال والحوار لا يعني تجاهل المخاطر، كما أن السعي إلى التهدئة لا يعني القبول بفرض وقائع تمس أمن المملكة أو مصالحها الأساسية.

وفي الوقت نفسه، حرص الخطاب على إبراز الدور الذي يؤديه الأردن في ملفات تتجاوز حدوده الوطنية. فالمملكة تواصل دعم صمود الفلسطينيين، وتؤكد دورها في رعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وتشارك في دعم اللاجئين، إلى جانب جهودها في مواجهة الإرهاب وتهريب المخدرات. وهي أدوار تعكس محاولة أردنية للتعامل مع أزمات المنطقة من أكثر من مسار، بما يحمي المصالح الوطنية ويسهم في الحد من تداعيات الأزمات الإقليمية.

لكن البعد الأكثر وضوحاً في الخطاب ظل مرتبطاً بمصداقية النظام الدولي نفسه. فحين تصبح القرارات الدولية عاجزة عن وقف النزاعات أو حماية المدنيين، وحين يشعر طرف ما بأن القانون يطبق عليه بينما يفلت آخر من تبعاته، فإن المشكلة لا تعود مرتبطة بأزمة واحدة فقط، بل تمتد إلى الثقة بمنظومة القواعد الدولية برمتها.

وهنا يبرز السؤال الذي طرحه الخطاب بصورة مباشرة أو غير مباشرة: هل تبقى قواعد النظام الدولي قابلة للتطبيق على الجميع، أم تتحول إلى نصوص بلا قوة عندما تتعارض مع حسابات السياسة؟ فالقانون الدولي لا يستمد قيمته من وجود النصوص وحدها، وإنما من قدرة المجتمع الدولي على احترامها وإنفاذها بصورة متسقة.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة خطاب الملك باعتباره رسالة تتجاوز اللحظة السياسية الراهنة. فهو يربط بين الحرب في غزة، ومستقبل القضية الفلسطينية، واستقرار الإقليم، والأمن الأردني، ومصداقية النظام الدولي، باعتبارها حلقات متصلة وليست ملفات منفصلة. فاستمرار الصراع الفلسطيني لا يبقى محصوراً في الأراضي الفلسطينية، كما أن اضطراب الإقليم لا يتوقف عند حدود الدول التي تشهد الحروب.

وضع خطاب الملك المجتمع الدولي أمام اختبار واضح: إما أن يكون القانون الدولي قاعدة تُطبَّق على الجميع، أو يفقد معناه ومصداقيته. وبالنسبة للأردن، لا يمكن بناء الاستقرار بإدارة الأزمات إلى ما لا نهاية، بل بإنهاء أسبابها، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، مع حماية الأمن والمصالح الوطنية.

مواضيع قد تعجبك