*
الجمعة: 07 أغسطس 2026
  • 07 أغسطس 2026
  • 22:21
المناخ لا ينتظر أحدًا ودعم الأردن حق لا منّة
الكاتب: الدكتور زيد احمد المحيسن

لم يعد التغير المناخي تحديًا بيئيًا يمكن تأجيل التعامل معه، بل أصبح واقعًا يفرض نفسه على الأردن عامًا بعد عام، من خلال موجات حر أشد قسوة، ومواسم جفاف أطول، وضغوط متزايدة على المياه والزراعة والطاقة والصحة العامة. وبينما تتسابق دول العالم للتكيف مع هذا الواقع الجديد، يجد الأردن نفسه في مواجهة أزمة لم يكن من صناعها، لكنه من أكثر المتضررين منها.
فالأردن لا يُعد من الدول المسببة للتغير المناخي، إذ إن مساهمته في الانبعاثات العالمية تكاد لا تُذكر مقارنة بالدول الصناعية الكبرى التي قادت لعقود مسيرة التنمية المعتمدة على الوقود الأحفوري. ومع ذلك، يتحمل الأردن جزءًا كبيرًا من كلفة هذه الأزمة، نتيجة موقعه الجغرافي، ومحدودية موارده الطبيعية، وكونه من أكثر دول العالم فقرًا بالمياه. وهذه مفارقة تفرض إعادة النظر في الطريقة التي ينظر بها المجتمع الدولي إلى الدول المتضررة من التغير المناخي.
إن العدالة المناخية تقتضي أن تتحمل الدول الأكثر إسهامًا في الانبعاثات مسؤولية أكبر في تمويل جهود التكيف في الدول الأقل إسهامًا والأكثر تضررًا. ومن هذا المنطلق، فإن دعم الأردن في مواجهة آثار التغير المناخي ليس عملًا خيريًا، ولا منّة من أحد، بل هو حق مشروع يستند إلى مبادئ العدالة والإنصاف والمسؤولية الدولية.
لكن هذا الحق يجب أن يقابله استعداد وطني يضمن توظيف كل دعم في بناء قدرة الدولة على التكيف مع المتغيرات المناخية. فالتحدي لا يكمن في التعامل مع موجة حر أو موسم جفاف بعينه، وإنما في بناء مؤسسات قادرة على إدارة المخاطر قبل وقوعها، وتحديث التشريعات، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتطوير البنية التحتية لتكون أكثر قدرة على مواجهة الظواهر المناخية المتطرفة.
وفي هذا السياق، تمثل البلديات خط الدفاع الأول عن المجتمعات المحلية، فهي الجهة الأقرب إلى المواطنين والأقدر على ترجمة السياسات الوطنية إلى إجراءات عملية. غير أن نجاحها يتطلب تمكينها بالموارد المالية والخبرات الفنية والتقنيات الحديثة، حتى تتمكن من تطوير المدن والقرى بما ينسجم مع متطلبات التكيف المناخي، من خلال توسيع الرقعة الخضراء، وتحسين إدارة المياه، ورفع كفاءة شبكات تصريف مياه الأمطار، وإدماج معايير الاستدامة في التخطيط العمراني.
وفي المقابل، يمتلك الأردن مقومات تؤهله ليكون نموذجًا إقليميًا في التكيف مع التغير المناخي. فقد حقق إنجازات مهمة في قطاع الطاقة المتجددة، ويمتلك خبرات متراكمة في إدارة الموارد المحدودة، ويحظى بثقة المؤسسات الدولية في تنفيذ المشاريع التنموية. غير أن تعظيم هذه الفرص يتطلب شراكات دولية أكثر عدالة، وتمويلًا مناخيًا مستدامًا يراعي حجم الأعباء التي يتحملها الأردن، لا حجم انبعاثاته.
إن نجاح الأردن في مواجهة التغير المناخي لن يعتمد على سرعة الاستجابة بعد وقوع الأزمات، بل على بناء منظومة وطنية قائمة على التخطيط والاستعداد والوقاية. غير أن هذا الجهد الوطني يجب أن يتكامل مع التزام دولي حقيقي يترجم مبادئ العدالة المناخية إلى سياسات وتمويل وبرامج ملموسة.
فالأردن لا يطالب بامتيازات استثنائية، ولا يسعى إلى تحميل الآخرين مسؤولياته، بل يطالب بحقه المشروع في أن يتحمل العالم نصيبه العادل من كلفة أزمة لم يكن الأردن سببًا في صنعها. وفي زمن تتسارع فيه آثار التغير المناخي، لم يعد الإنصاف خيارًا سياسيًا، بل أصبح ضرورة لضمان أمن الدول واستقرارها ومستقبل شعوبها.

مواضيع قد تعجبك