*
الخميس: 06 أغسطس 2026
  • 06 أغسطس 2026
  • 10:40
ما لا يقوله الخبر
الكاتب: د. بثينة محادين

أحياناً لا تكمن خطورة الخبر فيما يقوله، بل فيما يتركه خارج الصورة.

نستيقظ كل صباح معتقدين أننا نعرف ما يحدث في العالم. نفتح هواتفنا، نتصفح العناوين، نشاهد المقاطع، نستمع إلى التحليلات، ثم نغلق الشاشة ونحن نحمل شعوراً بالإطمئنان: لقد عرفنا ما حدث.

لكن هل عرفناه فعلاً ؟

ربما يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: ماذا أخبرنا الإعلام؟ بل: ماذا لم يخبرنا؟

فالخبر، مهما بدا مكتملاً، ليس مرآة تعكس الواقع كله؛ إنه نافذة فحسب. والنافذة، بطبيعتها، تكشف جزءاً من المشهد وتحجب أجزاء أخرى.

وهنا تبدأ واحدة من أكثر سلطات الإعلام خفاءً.

فالإعلام لا يؤثر في وعينا فقط من خلال المعلومات التي يقدمها، وإنما من خلال تحديد الأشياء التي تستحق أن ننتبه إليها أصلاً. حدث ٌيحتل العناوين أياماً فيتحول إلى قضية عامة، وآخر قد لا يقل عنه أهمية يمر في الهامش، وثالث لا يصل إلى الجمهور إلا بعد أن يكون تأثيره قد انتهى.

ليست المسألة بالضرورة مؤامرة، ولا يعني ذلك أن وراء كل خبر إرادة للإخفاء أو التضليل. فالعمل الإعلامي نفسه قائم على الاختيار ؛ لا تستطيع نشرة أخبار أن تحمل العالم كله، ولا تستطيع صحيفة أن تضع كل الأحداث على صفحتها الأولى.

لكن السؤال الحقيقي يبدأ عندما يتحول الاختيار إلى قوة.

من يقرر ما الذي يستحق الصدارة؟

ومن يقرر ما الذي يبقى في الهامش؟

ومن يمنح حدثاً عمراً يمتد لأسابيع، بينما يمنح حدثاً آخر دقائق معدودة؟

هذه الأسئلة تكشف أن القوة الإعلامية لا تبدأ عند نشر الخبر، وإنما قبل ذلك بكثير ؛ عند اللحظة التي يُقرر فيها أن هذا الحدث "خبر"، وأن حدثاً آخر ليس كذلك.

ومن هنا يصبح الصمت نفسه رسالة.

فالذي لا يظهر أمام الجمهور لا يدخل بسهولة في دائرة اهتمامه، وما لا يدخل دائرة الاهتمام يصعب أن يتحول إلى قضية، وما لا يصبح قضية نادراً ما يصنع ضغطاً أو تغييراً.

وهكذا يستطيع الإعلام، أحياناً دون أن ينطق بكلمة غير صحيحة، أن يؤثر في الطريقة التي نرتب بها العالم داخل رؤوسنا.

إنها سلطة مختلفة عن الكذب.

الكذب يقدم لك شيئاً غير حقيقي.

أما الانتقاء فيقدم لك شيئاً حقيقياً ، لكنه قد لا يقدم لك كل ما تحتاج إليه حتى ترى الحقيقة كاملة.

وهنا تكمن المفارقة.

فأخطر ما يمكن أن يواجهه المتلقي في العصر الحديث ليس دائماً الخبر الكاذب ؛ فقد نستطيع كشفه والتحقق منه ومواجهته.

الأصعب هو الحقيقة الناقصة التي تبدو مكتملة.

نصف الصورة قد يكون صحيحاً تماماً، لكنه يظل نصف صورة.

وهذه المسألة أصبحت أكثر تعقيداً في عصر المنصات الرقمية.

في الماضي، كان المحرر يختار ما يصل إلى الصفحة الأولى. أما اليوم، فقد دخل طرف آخر إلى غرفة الأخبار دون أن نراه: الخوارزمية.

إنها لا تجلس خلف مكتب، ولا تحمل بطاقة صحفية، لكنها تشارك في تحديد ما نشاهده، وما يتكرر أمامنا، وما يختفي من شاشاتنا.

وهكذا لم يعد السؤال فقط: ماذا اختارت المؤسسة الإعلامية أن تعرض؟

بل أصبح أيضاً : ماذا اختارت الشاشة أن تريني أنا تحديداً ؟

شخصان يعيشان في المدينة نفسها، وفي اللحظة نفسها، ويمسكان هاتفين متشابهين، ومع ذلك قد يعيشان عالمين مختلفين تماماً .

لكل منهما أخباره.

ولكل منهما قضاياه.

ولكل منهما مخاوفه.

وربما لكل منهما... حقيقته الخاصة.

وهنا ينتقل الإعلام من صناعة الأخبار إلى منطقة أكثر عمقاً : صناعة الإدراك.

فالإنسان لا يبني مواقفه مما حدث فقط، وإنما مما يعرف أنه حدث.

والفرق بين الاثنين هائل.

قد تقع آلاف الأحداث في يوم واحد، لكن القليل منها فقط يدخل وعينا. وهذا القليل هو الذي نصنع منه تصورنا عن الأمن والخوف، والسلام والحرب، والنجاح والفشل، وعن الدول والشعوب، بل وعن المستقبل نفسه.

ولهذا فإن الثقافة الإعلامية في عصرنا لا ينبغي أن تعلّم الإنسان فقط كيف يكتشف الخبر الكاذب.

بل يجب أن تعلمه مهارة أصعب:

أن يبحث عما غاب.

أن يسأل عن السياق.

أن يقارن بين المصادر.

أن ينتبه إلى ترتيب الأخبار بقدر انتباهه إلى محتواها.

وأن يسأل نفسه بين حين وآخر:

لماذا أعرف الكثير عن هذه القضية، والقليل جداً عن تلك؟

ليس الهدف أن نشك في كل شيء.

فالشك المطلق لا يصنع وعياً ، كما أن التصديق المطلق لا يصنعه.

المطلوب هو أن نتحول من متلقين للأخبار إلى قراء للمشهد الإعلامي نفسه.

أن نفهم أن الإعلام ليس فقط الكلمات التي نسمعها والصور التي نشاهدها، بل هو أيضاً المساحات البيضاء بين الكلمات، والصور التي لم تُعرض، والأسئلة التي لم تُطرح، والقصص التي بقيت تنتظر خارج الضوء.

لذلك ، في المرة القادمة التي تنتهي فيها من قراءة خبر ، ربما لا يكون السؤال الأهم:

"ماذا عرفت؟"

بل السؤال الذي قد يغير علاقتنا بالإعلام كله:

"ما الذي ما زلت لا أعرفه؟"

فربما تبدأ الحقيقة من المكان الذي انتهى عنده الخبر .

مواضيع قد تعجبك