لو استطاعت سبتة ومليلية أن تتحدثا، لقالتا إن قصتهما لم تكن يوما بسيطة، فمنذ قرون، وهما تقفان بين روايتين متداخلتين: رواية السيادة ورواية الجغرافيا.
وربما تكون هناك أسئلة كثيرة حول ما حدث قبل أيام في الشمال المغربي، حين حاول آلاف المغاربة الوصول إلى سبتة سباحة، لكنني لا أريد التوقف عند الظروف المعيشية التي تدفع بعضهم إلى هذه المخاطرة، ولا عند قضايا التظليل الرقمي و تأويلات خاطئة لمقتضيات قانونية وقضائية إسبانية مؤخرا،
وما رافقه من حديث عن استغلال شبكات تهريب البشر لأحلام المهاجرين. كما لن أدخل في مختلف التفسيرات السياسية والأيديولوجية التي تعكس مواقف كل طرف وقناعاته.
ما استوقفني في هذه الأحداث كان شيئا آخر، وهو معادلة السيادة والجغرافيا التي تجعل سبتة ومليلية حالة مختلفة يصعب قراءتها من زاوية واحدة.
وما يجعل المدينتين حالة مختلفة عن غيرهما هو موقعهما بين واقعين متداخلين، فهما تخضعان للسيادة الإسبانية، لكنهما جغرافيًا تقعان داخل المجال المغربي، وتحملان في تفاصيل الحياة اليومية امتدادا تاريخيا واجتماعيا وثقافيا يجعلهما مرتبطتين بمحيطهما المغربي أكثر. فالمغرب ينظر إليهما باعتبارهما مدينتين محتلتين وجزءا من قضايا السيادة الترابية التي لم تُحسم تاريخيا، بينما ترى إسبانيا أنهما مدينتان إسبانيتان تتمتعان بوضع قانوني وإداري كامل، وتشكلان جزءا من سيادتها وتاريخها. وبين هذين الموقفين، تستمر سبتة ومليلية في تقديم نموذج معقد تتداخل فيه الجغرافيا مع التاريخ والسياسة.
وهذا الواقع منح المدينتين موقعا خاصا، وأكسبهما أهمية تتجاوز حدودهما المحلية. ففي السنوات الأخيرة، لم تعودا مجرد ملف عالق بين الرباط ومدريد، بل أصبحتا جزءا من معادلة أوروبية أوسع، باعتبارهما إحدى بوابات أوروبا نحو عالم الجنوب، وإحدى نقاط العبور الرئيسية للهجرة غير النظامية. لذلك، لم يعد أي تطور يحدث فيهما يُنظر إليه بوصفه شأنا محليا أو قضية تخص المغرب وإسبانيا وحدهما، بل أصبح يرتبط أيضا بحسابات الأمن والاستقرار في أوروبا.
ولذلك، لم يكن غريبا أن تصدر مواقف أوروبية عبرت عن قلقها منذ الساعات الأولى. فبالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، لم تعد سبتة ومليلية مجرد مدينتين على أطراف إسبانيا، بل أصبحتا جزءا من منظومة حماية الحدود وإدارة الهجرة، وهو ما يجعل أي اضطراب فيهما يتجاوز حدودهما المحلية او العلاقة الثنائية بين الرباط ومدريد، ليُقرأ أيضا في سياق مرتبط بالاستقرار الأوروبي وأمنه القومي.
وبتقديري، فإن الأحداث الأخيرة في الفنيدق شمال المغرب قد تكون مؤشرا على مرحلة جديدة في طريقة التعامل مع واقع هاتين المدينتين. ويبدو أن الجغرافيا بدأت تفرض حضورها بقوة، ولعل اجتماع وزراء الداخلية في الاتحاد الأوروبي أمس، الذي وضع المغرب في صلب مقاربة تحديات الهجرة وحماية الحدود، يعكس حقيقة أن سبتة ومليلية لا يمكن فهم مستقبلهما خارج المجال الجغرافي المغربي، وهو ما قد يدفع، مع مرور الوقت، إلى انتقال النقاش من سؤال: من يملك السيادة؟ إلى سؤال: من يمتلك أدوات السيادة وشروطها الاجتماعية والثقافية والتاريخية.
ولأن سبتة ومليلية ظلّتا، على امتداد عقود، جزءا من مسار العلاقات المغربية الإسبانية، بما شهدته من تقارب وتوتر وتحولات سياسية، فلا يمكن قراءة الأحداث الأخيرة بمعزل عن هذا التاريخ. فقد شكلت قضية الصحراء المغربية أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات بين البلدين، وعرفت بسببها هذه العلاقات مراحل مختلفة، قبل أن تتخذ إسبانيا عام 2022 موقفها الداعم لمبادرة الحكم الذاتي. غير أن ملف سبتة ومليلية يبقى مختلفا، إذ لا يمكن فهمه من زاوية السيادة وحدها، بل من خلال العلاقة المتشابكة بين التاريخ والجغرافيا والواقع الاجتماعي والأمني.
ورغم استمرار الخلاف حول وضع المدينتين، فإن المغرب وإسبانيا اختارا خلال السنوات الأخيرة التعامل مع هذا الملف بمنطق أكثر براغماتية، يوازن بين المواقف السياسية والمصالح المشتركة. وهو ما يعكس تحولا في طبيعة العلاقة بين البلدين، حيث أصبحت ملفات الخلاف تُدار ضمن إطار أوسع من التعاون والشراكة الاستراتيجية.
وربما يفسر ذلك طبيعة تعامل الرباط ومدريد مع الأحداث الأخيرة، إذ غلب على الخطاب الرسمي والدبلوماسي بينهما الهدوء والسعي إلى احتواء الأزمة. وجاء الموقف الرسمي للبلدين مختلفا عن حالة التوتر والجدل السياسي والإعلامي التي رافقت النقاش في إسبانيا وأوروبا، مع تركيز الطرفين الرسميين على دور التضليل الرقمي وشبكات التهريب، بدل تحويل ما جرى إلى أزمة سياسية، حفاظا على الشراكة القائمة بين البلدين وتجنبا لأي تصعيد.
ولعل هذه الأحداث تكون اختبارا لقدرة الدول على التعامل مع جغرافيا تتجاوز أحيانا حدودها السياسية والسيادية، جغرافيا تفرض على السياسة فقه المكان ومنطقه.
قد تكون أهم رسالة لأحداث سبتة ومليلية اليوم أنها لا تفتح نقاشا جديدا حول الماضي، بقدر ما تطرح أسئلة جديدة حول المستقبل. فمع تزايد أهمية ملفات الأمن والهجرة بين عالم الشمال وعالم الجنوب، قد تتحول المدينتان إلى مؤشر على شكل العلاقة المقبلة بين أوروبا والمغرب.
وبما أن التاريخ هو الذي رسم ملامح الخلاف حول سبتة ومليلية، فقد تكون الجغرافيا هي التي ستواصل رسم ملامح المستقبل. فكلما ازدادت التحديات على الحدود، تراجعت قدرة السياسة على تجاهل منطق المكان. وعندها، لن يكون السؤال فقط: من يملك السيادة؟ بل كيف يمكن إدارة واقع لا تستطيع الجغرافيا والتاريخ تجاوزه.
وفي النهاية، لا تعيد أحداث سبتة ومليلية طرح سؤال الماضي بقدر ما تفتح أسئلة المستقبل. فالجغرافيا لا تمنح الدول حدودا فقط، بل تمنحها أدوارا ومواقع في موازين القوة. والتجارب الدولية مؤخرا تؤكد أن الموقع الجغرافي قد يتحول إلى مصدر نفوذ استراتيجي، كما حدث مع دول فرضت حضورها في معادلات إقليمية كبرى بفعل جغرافيتها قبل أي عامل آخر. وإذا واصل المغرب تعزيز موقعه بوصفه نقطة وصل بين أوروبا وإفريقيا والأطلسي والمتوسط، فقد يصبح مستقبل المدينتين مرتبطا أكثر بثقل المجال الجغرافي المحيط بهما، لا فقط بالتوازنات التي أنتجها الماضي.



