*
الجمعة: 31 تموز 2026
  • 31 تموز 2026
  • 12:29
النظام الإيراني من الصبر الاستراتيجي إلى الحول الاستراتيجي
الكاتب: عماد داود

القرية ما زالت هناك.

وهذه حقيقة... قبل أن تكون نكتة كرتونية.

الصاروخ يعرف عنوان هدفه جيدا، لكنه يسلم رسالته دائما في عنوان آخر.

هذا اسمه الحول الاستراتيجي.

وأثبت هنا، بصفتي واضع هذا المصطلح ابتداء، أن النظام الإيراني دراسة الحالة الأولى التي يُختبر عليها هذا المصطلح، وحدوده تبقى مفتوحة لما بعده.

الحول انحراف بين ما تراه العين وما تصيبه اليد. أن تعرف الهدف بدقة، ثم تعجز عن أن تجعل الأثر يصل إليه.

النظام الإيراني أوضح مثال حي عليه. فالظاهرة تتكرر في أي خطاب يرفع سقف وعيده أعلى من قدرة يده.

لعقود، اختار هذا النظام الصبر. اغتيل قاسم سليماني، ثم قُصفت القنصلية الإيرانية في دمشق، فلم يرد الرد المكافئ من الداخل. كان هذا حساب بقاء بحت.

ثم انكسر الصبر فجأة.

وهنا يبدأ الحول بصورته الأولى، الرمزية.

كان شرشبيل يخرج من قلعته كل حلقة بالخطة نفسها. يرفع قبضته. يعد بإزالة قرية السنافر إلى الأبد! تنتهي الحلقة، والقرية آمنة تزرع توتها، وهو ينفجر وسط جرعته السحرية!

وهذا، بالضبط، ما يحدث اليوم. خطاب يعد بالإزالة، وواقع لا يتزحزح إلا في الاتجاه المعاكس.

من الرمز إلى الملعب، تنتقل الصورة نفسها بثوب آخر.

حميدو شامل وكمال نسيم يتوعدان بحسم لا رجعة فيه، وصراخ يهز الشباك قبل أن تهتز الكرة! تنتهي المباراة كما بدأت، والكرة تدور، واللوحة لا تتغير.

نتائج إدارة الخصومة تكشف عنها أكثر مما يكشف إعلانها.

هذه هي اللحظة التي يجب أن تُقرأ فيها كل الوقائع اللاحقة، بوصفها نتيجة حتمية لخطاب أكبر من فعله.

من الرمز والملعب إلى ساحة العمليات الفعلية، تصل الصورة إلى ذروتها العسكرية.

جندي أحول جُند في كتيبة القصف. سأله قائده: شايف الهدف؟ رد بحماس: شايفه تماما يا سيدي! فصرخ القائد مرعوبا: إياك تقصفه! اقصف اللي جنبه عشان تصيب اللي في النص!

الإحداثيات معروفة... لكن المشكلة في المآلات.

الأسطول الخامس في البحرين، داخل الخليج نفسه، لا في نابولي البعيدة حيث يرابط السادس. العنوان معروف، والإحداثية محفوظة، والرسالة تصل رغم ذلك إلى ميناء أو مصفاة في بلد لم يُعلن ضده شيء.

وهنا يصبح السؤال سياسيا بقدر ما هو عسكري.

يرى كثير من المراقبين أن الضغوط الداخلية، إلى جانب حسابات الردع الإقليمية، دفعت هذا النظام إلى تصدير جزء من أزمته إلى الخارج. وبحسب تقديرات متابعين لدوائر القرار فيه، فإن انقساما بين الأجنحة السياسية والعسكرية يجعل الاستهداف نفسه أقرب إلى ارتجال منه إلى خطة.

حين يصبح الجار هو الذي يدفع الثمن، يتبدل السؤال: من أُطلقت الصواريخ ضده؟ يصبح: من انتهت إليه؟

فالجوار العربي، بدل أن يُشل، بنى استراتيجيته الدفاعية الخاصة، وشارك بعض دوله في ترتيبات أمنية وضربات ضد أذرع ووكلاء طهران! وتحول النظام من محاصِر إلى محاصَر، يخسر ترسانته ضربة بعد ضربة، دون أن يحمي نفسه من الخطر الذي زعم أنه يردعه.

الأساطيل ما زالت في مياهها!

القواعد ما زالت في أماكنها!

والقرية... ما زالت هناك!

شرشبيل ما زال يهدد!

والجندي الأحول ما زال في الكتيبة!

أما الجيران... فما زالوا يدفعون ثمن كل طلقة لا تعرف كيف تصل إلى عنوانها!

ذلك هو الحول الاستراتيجي: أن يبقى الخصم في مكانه... بينما يتسع مدى الخطأ!

[email protected]

https://emad-dawoud.netlify.app/

مواضيع قد تعجبك