لم يعد ما نشهده في بعض شوارعنا مجرد اختلاف في الأذواق أو تغير في أنماط اللباس، بل أصبح مؤشراً على تحول أعمق يمس منظومة القيم والحياء والذوق العام التي شكلت هوية المجتمع الأردني عبر عقود طويلة.
فما كان يُعد في الماضي خروجاً عن المألوف، أصبح اليوم يُقدم تحت عناوين الحرية والانفتاح، وما كان المجتمع يرفضه بحكم عاداته وتقاليده، بات البعض يدافع عنه باعتباره حقاً فردياً مطلقاً، حتى وصل الأمر إلى مهاجمة كل من يطالب بالحفاظ على هوية المجتمع وخصوصيته، وكأنه يدعو إلى الانغلاق أو يعادي التطور.
إن ما يمكن تسميته بـ"ثورة الشورت" لا يتعلق بقطعة قماش بحد ذاتها، وإنما بما تحمله من دلالات تعكس تغيراً في النظرة إلى الحياء والذوق العام وحدود العلاقة بين الحرية الفردية واحترام المجتمع.
فالقضية ليست مظهراً عابراً، بل جزء من مشهد أوسع يشهد تراجعاً تدريجياً لبعض القيم التي كانت تشكل ضابطاً للسلوك العام.
ولم يعد الأمر مقتصراً على الشارع، بل امتد إلى منصات التواصل الاجتماعي التي تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحات لاستعراض الأجساد والخصوصيات، حتى أصبح البعض يبحث عن الشهرة والقبول من خلال تجاوز حدود الحياء، وكأن قيمة الإنسان تُقاس بعدد المشاهدات والإعجابات، لا بما يقدمه من علم أو أخلاق أو إنجاز .
وفقدان البوصلة الأخلاقية لا يبدأ بانهيار مفاجئ، وإنما يبدأ بتطبيع السلوكيات التي كان المجتمع يرفضها، حتى تتحول مع مرور الوقت إلى أمر مألوف، ويصبح الاعتراض عليها مستهجناً، بينما يُنظر إلى التمسك بالقيم وكأنه أمر غريب.
ولم يتوقف الأمر عند المظهر العام، بل امتد إلى بعض المفاهيم والمعايير، حتى وصل في بعض الحالات إلى الترويج لفكرة أن المرأة الأكثر تبرجاً أو اهتماماً بمظهرها الخارجي هي الأوفر حظاً في بعض فرص العمل، مقابل تهميش المرأة المحتشمة أو التقليل من فرصها، في تعدً على قيم المجتمع، وابتزاز غير مباشر يدفع الفتاة إلى المساومة على دينها وحيائها وكرامتها من أجل القبول أو الوظيفة.
إن تحويل المظهر الخارجي إلى معيار للنجاح أو القبول لا يمثل تطوراً ولا انفتاحاً، بل يعكس ضغوطاً تدفع الإنسان إلى التخلي عن قناعاته وقيمه، وهو مسار يسهم في انسلاخ المجتمع تدريجياً عن خصوصيته وثقافته تحت عناوين براقة .
وفي هذا السياق، فإن مطالبة النائب القبلان بتشديد الرقابة على الذوق العام تنطلق من الحرص على هوية المجتمع وقيمه، ولا تستوجب حجم الهجوم الذي تعرض له. فالدعوة إلى وجود ضوابط تحفظ المساحة المشتركة من الاحترام لا تعني إلغاء الحريات، وإنما تؤكد أن الحرية تقترن بالمسؤولية، وأن لكل مجتمع الحق في حماية ثقافته ومنظومته الأخلاقية.
لقد عُرف المجتمع الأردني عبر تاريخه باعتزازه بأخلاقه وقيمه وتقاليده، وكانت هذه المنظومة أحد أهم أسباب تماسكه واستقراره.
فالأسرة الأردنية لم تُبنَ على القوانين وحدها، وإنما قامت على القيم والعادات والاحترام والحياء وتحمل المسؤولية .
غير أن بعض الثوابت أصبحت اليوم هدفاً للتشكيك، فأصبح الاحتشام يُصوَّر أحياناً على أنه تخلف، والحياء على أنه ضعف، والتمسك بالعادات على أنه رجعية، بينما تُقدم بعض السلوكيات الدخيلة على ثقافة المجتمع باعتبارها دليلاً على الرقي والتقدم.
ولعل أخطر ما نعيشه اليوم أننا في زمن انقلبت فيه الموازين .
فأصبح المتمسك بقيمه بحاجة إلى أن يبرر تمسكه بها، بينما يُصفق لمن يتجاوزها، وصار الحياء عند البعض تهمة، والجرأة على قيم المجتمع فضيلة، واختلطت المفاهيم حتى أصبح الثابت موضع تشكيك، والدخيل يُقدم على أنه عنوان للتطور والانفتاح.
وتتجلى مظاهر هذا التراجع في انتشار الألفاظ والسلوكيات غير اللائقة في الأماكن العامة، وضعف احترام خصوصية الآخرين، ومحاولات فرض أنماط غريبة عن ثقافة المجتمع تحت شعار الانفتاح. فالانفتاح الحقيقي لا يعني التخلي عن الضوابط، كما أن التطور لا يعني التفريط بالهوية.
ومن أكثر ما يثير الاستغراب محاولة ربط أي حديث عن الذوق العام بقضايا الفقر والبطالة والغلاء والفساد والمديونية وغيرها،
وكأن الدفاع عن القيم يجب أن ينتظر حتى تُحل جميع الأزمات الأخرى.
وهذا طرح يختزل طبيعة المجتمع، لأن الأزمات لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل إن انهيار القيم وتراجع الضمير يمثلان مدخلاً لكثير من مظاهر الانحراف والفساد.
وليس الفقر دائماً فقر المال، فهناك فقر أشد خطراً، هو فقر الأخلاق والضمير والقيم.
فكم من أمة ضاقت بها الأحوال الاقتصادية فحفظتها أخلاقها، وكم من أمة امتلكت أسباب الثراء ثم سقطت حين افتقرت إلى منظومتها الأخلاقية.
فالفساد ليس مجرد اختلاس أو تجاوز مالي، وإنما يبدأ بخلل في منظومة الأخلاق والمسؤولية واحترام الحق العام .
فالمجتمع الذي يفقد معاييره الأخلاقية يصبح أكثر عرضة لمختلف أشكال الفساد، لأن القوانين وحدها لا تكفي لبناء مجتمع سليم ما لم يسندها وعي أخلاقي يحكم سلوك أفراده.
وهنا يصدق قول أمير الشعراء أحمد شوقي:
"وإنما الأمم الأخلاق ما بقيتْ
فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا."
ومن اللافت أيضاً أن بعض الجهات التي تحمل فكراً غير منسجم مع طبيعة المجتمع، إلى جانب جهات ممولة من الخارج ومن يتبنى خطابها، سعت إلى اختزال القضية كلها في "الشورت" الذي يرتديه الشاب، لصرف النقاش عن جوهره الحقيقي وإثارة التعاطف مع المظهر، بدلاً من مناقشة أصل القضية،
وهو حق المجتمع في حماية ذوقه العام وهويته الثقافية.
والحقيقة أن الدعوة إلى احترام الذوق العام ليست موجهة ضد رجل أو امرأة، ولا تستهدف فئة بعينها، وإنما تقوم على مبدأ واضح، وهو أن الحريات لا تنفصل عن المسؤولية، وأن احترام المجتمع جزء من احترام الإنسان لنفسه ولمن حوله.
والأخطر من المظهر ذاته هو محاولة تجريم الاعتراض على السلوكيات المخالفة للذوق العام، وتحويل الدفاع عن الحياء إلى تهمة، حتى أصبح المتمسك بقيمه مطالباً بتبرير موقفه، بينما يُقدم تجاوز تلك القيم على أنه مظهر من مظاهر التحضر.
فالمجتمعات لا تفقد هويتها دفعة واحدة، وإنما تتنازل عنها تدريجياً، حتى يصبح الغريب مألوفاً، والمألوف غريباً، ويغدو المحافظ على قيمه موضع اتهام بدلاً من أن يكون موضع احترام.
إن الحفاظ على الذوق العام ليس حرباً على الحريات، ولا رفضاً للتقدم، بل هو دفاع عن هوية مجتمع يريد أن يتطور دون أن يفقد جذوره. فالحرية الحقيقية ليست في كسر كل الحدود، وإنما في إدراك أن للفرد حقوقاً، كما أن للمجتمع حقاً في صون ثقافته وخصوصيته.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل ما يجري اليوم انفتاح حقيقي يخدم المجتمع، أم انسلاخ تدريجي عن قيمه يُقدم تحت عناوين براقة؟ وهل أصبح الدفاع عن الحياء والذوق العام تهمة، بينما صار تجاوز قيم المجتمع عنواناً للتقدم؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست نقاشاً حول لباس أو مظهر، بل هي نقاش حول هوية المجتمع الذي نريده، والقيم التي سنورثها للأجيال القادمة.



