منذ أن أُعلن تكليف الدكتور نضال القطامين بحقيبتي النقل والعمل، قرأت كثيرًا من التعليقات التي تسأل: لماذا وزارتان؟ وهل يستطيع رجل واحد أن يحمل هذين الملفين؟
لم أجد نفسي معنيًا بالدخول في جدل السياسة، ولا أحب أن أزاحم الناس في آرائهم، لكنني شعرت أن من الوفاء أن أروي قصة بسيطة لشخص عايشته عن قرب، فإن لم تشفع له الأيام، فلتقل إن تسعة الأقرب إليه يعرفون.
أعرف نضال القطامين منذ أكثر من خمسة وعشرين عامًا، جمعنا مقعد الجامعة، ثم فرّقتنا الحياة، وجمعهما مجددًا ميدان العلاقات العامة في الجامعة، وكان نضال القطامين مديرًا لمكتب العلاقات الدولية. كنا زملاء في الميدان نفسه، نرى بعضنا كل يوم، وكان أكثر ما يلفتني فيه شغفه الاستثنائي بالعمل. لم يكن ينظر إلى الوظيفة على أنها ساعات دوام تنتهي بانتهاء العقارب، بل كان يبقى حتى العاشرة ليلًا، وربما أكثر، إذا كان في يده عمل لم يكتمل.
وأذكر موقفًا لا يزال حاضرًا في ذهني كأنه حدث بالأمس.
كنا يومها ننقل مكاتب ارتباط الجامعة في عمّان إلى مبنى آخر، وكانت الفوضى تملأ المكان. صناديق كرتونية متراكمة، وأثاث لم يُرتب بعد، ومكاتب لم تعد صالحة للعمل.
طلب من نضال حينها إنجاز مهمة تتعلق بعمله، فدخل إلى المكتب ثم عاد إليّ بعد أقل من دقيقة وقال: "كيف سأعمل والمكتب على هذه الحال؟"
قلت له ببساطة: "انتظر إلى الغد، وحين يكتمل ترتيب المكتب أنجزها."
ابتسم ابتسامة قصيرة، وقال عبارة لا أنساها إلى اليوم: "مستحيل، لن أنتظر إلى الغد."
ثم فعل شيئًا أثار دهشتي؛ افترش الأرض على بعض من صناديق الكرتون المتناثرة، وأخرج جهازه الشخصي، ووضعه فوق أحد الكراتين، وبدأ يعمل.
لم يشغله ضيق المكان، ولا غياب المكتب، ولا عدم جاهزية الظروف، وبقي حتى أنجز المهمة كاملة، ثم غادر.
يومها أدركت أن بعض الناس لا ينتظرون الظروف المناسبة ليعملوا، بل يصنعون من أي ظرف مكانًا صالحًا للإنجاز.
لهذا، عندما أسمع اليوم من يستغرب كيف يحمل حقيبتين ووزارتين، أتذكر ذلك المشهد قبل أن أجيب. لست أقول إن الرجل معصوم، ولا إن النجاح مضمون لأي منصب يتولاه، فهذا أمر تحكمه عوامل كثيرة، لكنني أعرف يقينًا أنني أتحدث عن إنسان رأيته بعيني لا يعرف التسويف، ولا يؤجل واجبًا.
هذه ليست شهادة نفاق لشخص انقطع التواصل بيني وبينه منذ زمن طويل، ولا كلمات تُكتب طلبًا لمنفعة، فقد مضى العمر ولم يبق لنا من الدنيا إلا أن نقول كلمة حق فيمن عرفناه عن قرب.
قد يختلف الناس حول القرارات والسياسات، وهذا حقهم، لكن من حق من عرف الرجل قبل المناصب أن يقول ما رآه بعينه، لا ما سمعه من الآخرين.
وأنا بعد أكثر من ربع قرن، ما زلت أرى نضال القطامين كما رأيته يوم افترش الأرض بين الصناديق لينجز عمله قبل أن ينتهي النهار، وبعض المواقف، مهما عبر عليها الزمن، تكون أصدق من آلاف الخطب، وأبلغ من أي دفاع.



